سورة النحل · الآية ٢٥ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
لِیَحۡمِلُوۤا۟ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِینَ یُضِلُّونَهُم بِغَیۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَاۤءَ مَا یَزِرُونَ٢٥
الرسم الإملائيّ

لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ

الجزء ١٤الربع ١٠٧ صفحة ٢٦٩

تفسيرها

[سورة النحل — آية 25]

﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ذنوبهم وذنوب أنفسهم ، وإنما ذكر الكمال ، لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا ، وما فعلوا من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا من صغائرهم ، ولا من كبائرهم ، ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ أي: قالوا ذلك إضلالا للناس ، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة ، وبعض أوزار من ضل بضلالهم ، وهو وزر الإضلال ، لأن المضل والضال شريكان . وإن دعا أحدا إلى الضلالة ولم يستجب له ، كان الداعي ضالا والمدعى من تلك الدعوة سالما. وإن﴿كان﴾ أثر ضلالته كتبا وقراطيس ، يدعو عامة الناس إليها ، وأحب أن يستجاب له في ضلالته ، كان في المعنى كأن دعا الناس جميعا إلى تلك الضلالة ، قبل من قبل ضلالته وردها من ردها.

وانظر في إبليس اللعين من حيث إنه دعا جميع الثقلين أن يعبدوه ويشركوا بالله ، فاستجاب له من استجاب منهم ، وهم الذين حق عليهم القول أن تملأ بهم جهنم ، وهم الأكثر من خلق الله ، إلا من رحم ، ومنهم من استجاب له وتاب ، فسلم المستجيب التائب ، وثبت على الداعي وزر دعوته إلى الضلالة ، ومنهم من عصمه الله من إضلاله في أشياء ، واستجاب له في أشياء ، فانظر ما يتعاظم عليه من الوزر والعذاب إلى يوم القيامة.

وانظر إلى أنبياء الله ورسله ، والعلماء بدينه ، والأئمة في الدين ، والأئمة المنصوبين ، حيث دعوا الناس كافة أن يوحدوا الله ويعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأن يكفروا بالشيطان ، فكان لهم أجرهم وأجر من استجاب لهم ، وأجرهم بدعوة من لم يستجب لهم إلى يوم القيامة ، فانظر ما يتضاعف لهم من الأجر ، وكذلك من أثر الحق يدعوا الناس إليه ، وقد قال الله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ ، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال ﴿أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٦

[سورة النحل — آية 25]

قال : ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ ﴾ أي : آثامهم في تفسير الحسن . وقال بعضهم : ذنوبهم ، وهو واحد . ﴿ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ يعني الذين قالوا أساطير الأولين ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي : بئس ما يحملون . أي : يحملون آثام أنفسهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتّبعوهم عليها . وهو كقوله ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [ العنكبوت : 13 ] أي : يحملون آثامهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتبعوهم عليها إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار الذين اتبعوهم شيء . هذا في القادة والأتباع .

ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيما داع دعا إلى هدى فاتّبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً . وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً »

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٦

[سورة النحل — آية 25]

﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ اللام لام العاقبة ، لا لام التعليل لأَنهم لم يقولوا أَساطير الأَولين قصدا لحمل الأَوزار ورغبة فيه بل عاقبتهم عند الله ذلك الحمل ، ومعنى كاملة أَنه لا يخفى عن الله من أَعمالهم شىءٌ ولا ينساه فيفوته العقاب عليه ولا ينقص شىءٌ من أوزارهم بأَعمالهم الصالحة لأَنها تقبل عنهم لشركههم ، و لا بالمصائب لأَنها بعض عذابهم فيعذبون فى الدنيا والآخر إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم لا كالمؤمن يثاب على المصيبة وعلى عمله الصالح أو يكفر عنه ذنبه ، والكافر يثاب فى الدنيا على عمله الصالح إن شاءَ الله ويرد عليه إِن شاءَ ، وقال بعض الصوفية : البلاءُ للمخطىءِ عقاب وللبر مكفر وللعارف درجة لا يصلها إِلا به دون عمله ، ومن للتبعيض فإِن الرؤَساءَ يحملون بعض أَوزار المرءُوسين الذين ضلوا بهم ، وذلك البعض هو الذنوب التى أصابوها باتباع الرؤساءِ ، وسائر ذنوبهم باقية عليهم ، وليس المراد أنهم يحملون البعض وينجو المرءُوسون منه بل يعاقب الرئيس المضل بمثل ما يعاقب المرءُوس به ، وليس ذلك حملا للوزر عن أوزاره بل حمل لوزره وهو الأَمر بالمعصية ، قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من دعا إلى هدى كان له من الأَجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أَجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه ولا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً » وبغير علم حال من الهاءِ ، المعنى أَنهم غير عالمين بأَن ما يأْمرهم به رؤَسَاؤُهم ضلال ، وفى ذلك دلالة على أَن المقارف لما لا يعلم غير معذور لوجوب التمييز عليه ، ولوجوب طلب العلم قبل المقارفة ، ودلالة على أَن العالم بتحريم ما يأتى أَشد قطعاً للعذر أَو حال من الواو ، والمعنى جاهلين لما يستحقون من العذاب الشديد على الإضلال ، وليس فى هذا الوجه دلالة على أن المقارف غير معذور إلا من حيث إن الآية فى الذم وفى بيان الضلال ، وليست الآية دلالة على أَن إِضلالهم للتابعين معلوم لهم منزلة منزل المجهول إِذ أمروا به التابعين لأَنهم لا يعلمون أنه ضلال ، وأَجاز ابن جنى كونه حالا من الواو والهاء ﴿ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ ساءَ وزرهم ذلك ، أَو ساءَ وزرا يزرونه ذلك ، أَو ساءَ الوزر الذى يزرونه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٦