سورة النحل · الآية ٢٨ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
ٱلَّذِینَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ ظَالِمِیۤ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوۤءِۭۚ بَلَىٰۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ٢٨
الرسم الإملائيّ

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

الجزء ١٤الربع ١٠٧ صفحة ٢٧٠

تفسيرها

[سورة النحل — آية 28]

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ، فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ﴾ أي: الصلح والاستسلام ، لأنهم في حال الحرب لله ولرسوله ودين المسلمين ، كانوا مخالفين دينه بحرف واحد ، وقالوا:﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ ، وهذا كقوله:﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ ، وهذا في المتدينين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وأما المنتهكون فهم الذين وصفهم الله حيث قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ، فردت عليهم الملائكة قالوا:﴿ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن توحيد الله وعبادته.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٩

[سورة النحل — آية 28]

قوله : ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾ قال بعضهم : توفتهم عند الموت . وقال الحسن : هي وفاة إلى النار ، أي : حشر إلى النار .

﴿ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ﴾ قال بعضهم : استسلموا . وقال الحسن : أعطوا السلم أي : أسلموا فلم يقبل منهم؛ وقال : إن في القيامة مواطن ، فمنها موطن يقرّون فيه بأعمالهم الخبيثة ، وهو كقوله : ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ [ الأنعام : 130 ] أي : في الدنيا . وموطن يجحدون فيه فقالوا : ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ فقيل لهم : ﴿ بَلَى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي : في الدنيا إذ أنتم مشركون . وموطن آخر ﴿ قَالُوا : وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام : 23 ] فقال الله : ﴿ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الأنعام : 24 ] ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أي : من عبادتهم الأوثان ، فلم تغن عنهم شيئاً ، وموطن آخر ، وهو آخرها ، أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم ﴿ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [ سورة : يس : 65 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٩

[سورة النحل — آية 28]

﴿ الَّذِينَ ﴾ نعت ولا حاجة إلى تقدير أَعنى أَوهم ولا إلى الإبدال أَو البيان ، وتعاطى ذلك بلا دليل عليه غفلة ، وأَبعد من ذلك جعله مبتدأً خبره أَلقوا ، على قول الأَخفش بجواز زيادة الفاء فى الخبر مطلقاً ولو لم يشبه المبتدأَ اسم الشرط فى العموم ﴿ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ﴾ عزرائيل وأَعوانه ﴿ ظَالِمى أَنْفُسِهِمْ ﴾ بالكفر الموجب للخزى والسوءِ يوم القيامة والمعنى : توفتهم ، بدليل قوله : ﴿ فَأَلْقُوا السَّلَمَ ﴾ بصيغة الماضى أَو يبقى تتوفى على الاستقبال وأَلقوا بمعنى يلقون وتتوفى للاستقبال على أن القول فى الدنيا ، وللمضى على حكاية الحال على أَنه يوم القيامة ، ويجوز عطف ألقوا على قال أَو يقول تتوفى على معنى توفت ، والسلم ضد المنافرة ، انقادوا إلى الإسلام حين لا ينفعهم ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ﴾ تفسير لقوله : ألقوا السلم بلا تقدير ولا تضمنه كما أَن قولك فعلت لك ما تحب نفس قولك خطعت لك أو يقدر حال هكذا قائلين ما كنا إلخ أو يضمن ألقوا السلم معنى القول فتنصب الجملة كما تنصب بالقول ، وإلقاءُ السلم ما كنا نعمل من سوءٍ هو عند معاينة الموت أَو يوم القيامة حين عاينوا العذاب وهو أَولى فيكونون يكذبون يوم القيامة لأَنهم قد علموا السوءَ فى الدنيا وهو الكفر بالإِشراك ويغره ، وقيل المراد الإِشراك يكذبون عمدا أَو لفرط الخوف والدهشة ، ومن معنى صدور الكذب يوم القيامة ، قال : المعنى ما كنا فى اعتقادنا نعمل سوءاً فإنا نظن الكفر حقا ، ويرده قوله تعالى : انظر كيف كذبوا ﴿ بَلَى ﴾ تقول الملائكة بلى قد عملتم السوءَ أَو المؤمنون أَو العلماءُ ، ويتعين الأَول على أَن القول عند الموت ﴿ إِنَّ اللهَ عِلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فيجازيكم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٢٩