سورة النحل · الآية ٧٦ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلَیۡنِ أَحَدُهُمَاۤ أَبۡكَمُ لَا یَقۡدِرُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَیۡنَمَا یُوَجِّههُّ لَا یَأۡتِ بِخَیۡرٍ هَلۡ یَسۡتَوِی هُوَ وَمَن یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ٧٦
الرسم الإملائيّ

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

الجزء ١٤الربع ١١٠ صفحة ٢٧٥

تفسيرها

[سورة النحل — آية 76]

ثم زاد في البيان فقال: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ﴾ الأبكم: الذي ولد أخرس ، فلا يفهم ولا يفهم ، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله ، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ حيث ما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة ، أو كفاية فهم ، لم ينفع ولم يأت بنجح ، وهو يفسد ولا يصلح ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ؟ أي: ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة ، فهو يأمر الناس بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ على سيرة صالحة ودين قيم قويم ، وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمه ، وغناه عن خلقه ، وللأصنام التي هي موات لا تضر ولا تنفع ، وقيل: للمؤمن والكافر ، وهو كقوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ويدخل فيه تدبير معاشه ، وإصلاح معاملته لخالقه ، وللخلق فيما بينه وبينهم ، وإصلاح نفسه ، ومركز جميع اصطلاحات سلامة القلب من الأهوية والأمراض.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٧٧

[سورة النحل — آية 76]

قال : ﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ﴾ ، أي : لا يتكلم ، يعني الوثن ﴿ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ ﴾ أي : على وليه الذي يتولاه ويعبده ، أي : إنه عمله بيده وينفق عليه كسبه ويعبده ويتولاه ﴿ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ ﴾ هذه العابد له ، يعني دعاءه إياه ﴿ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ﴾ أي : هذا الوثن ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ وهو الله ﴿ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ وهو الله ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٧٧

[سورة النحل — آية 76]

﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ﴾ ولد أخرس ، لا يتكلم ، ومن ولد كذلك فهو لا يسمع ، فهو لا يفهم ، إلا بالإشارة ، والتجربة والوجدانيات والبصر والمس والذوق .

﴿ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَئٍ ﴾ من الأمر بالعدل ، ومن السيرة الحسنة أدبًا وشرعًا ، ومن المنافع الصنائع لنقص عقله .

﴿ وَهُوَ كَلٌّ ﴾ ثقيل فى الغالب ﴿ عَلَى مَوْلاَهُ ﴾ من بلى أمره من أب أو عم أو قائم ما أو سيد .

﴿ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ ﴾ مولاه فى أمر خير ﴿ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ مراد أو خير غير مراد ، بل يأت بشر أولا به ولا يخبر ، والرجل الآخر مذكور فى قوله عز وجل :

﴿ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أى والفصيح الذى يأمر الناس بالعدل ويرشدهم إلى مصالحهم ، وينفعهم وهو فى نفسه مهتد متمكن من الدين ، تمكن الراكب علىلمركوب ، ولذا قال : على صراط ، ولم يقل فى صراط ، وهو خفيف على أهله ، ذو صنائع إذا قصد أمرا تلقّاه ، فأين هذا من الذى يشمله المثل السائر : أينما أوجه ألق سعداً ، رجل يسمى أخبط رئيس قومه ، وهم سعد جفوه ، فارتحل عنهم إِلى قوم فوجدهم قد جفوا سيدهم ، كما جفاه قومه ، أى أينما أوجه ألف عشيرة كعشيرتى فى الجفاء ، وليس سعد رجلا شريرًا كما قيل ، بل عشيرته شريرة .

وهذا المثل المضروب دفع المشاركة الأصنام الله جل وعلا أو دفع لمساواة الكفرة للمؤمنين ، وكونه آمرا بالعدل ، وكونه على صراط مستقيم كما ما يناقض البكامة والعجز والثقل ، وعدم الإتيان يخير اللاتى هن صفة الأصنام ، لا نفع فيها ، وتحتاج إِلى حاملها وماسح الأذى عنها ، وقيل : الأبكم أبو جهل ، والآمر بالعدل عمار رضى الله عنه ، وقيل : الأبكم أُبىّ بن خلف ، والآمر بالعدل عثمان بن مظعون ، ولا يصح ذلك .

وعلى صحته المراد التمثيل ، أو يعتبر أن خصوص السبب لا يبطل عموم الحكم فى اللفظ ، وقيل : فى عثمان بن عفان ، وعبدٌ له كافر يسمى أسيد بن العيص ، ينفقه عثمان ويقوم بمصالحه ، ويأمره بالتوحيد والصدقة ، فيخالفه ويعكس .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٧٧