مَا عِندَكُمۡ یَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقࣲۗ وَلَنَجۡزِیَنَّ ٱلَّذِینَ صَبَرُوۤا۟ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ٩٦
الرسم الإملائيّ
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الجزء ١٤الربع ١١١ صفحة ٢٧٨
تفسيرها
﴿مَا عِندَكُمْ﴾ من زخرف الدنيا﴿يَنفَدُ﴾ ولا تؤجرون عليه إن توجه ذلك للمخالفين ، وإن توجه للمؤمنين نقول: ما في أيديكم يجيء ويذهب ، ﴿وَمَا عِندَ اللّهِ﴾ من خزائن رحمته ﴿بَاقٍ﴾ لا ينفد ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على ما أوجبه الله عليهم من مشاق التكليف ، ﴿أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٧
قوله : ﴿ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ أي : من الدنيا .
ذكروا أنه قدم وفد من كندة وحضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإِسلام ولم يهاجروا ، وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . ثم إن رجلاً من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرأ القيس ، فقال يا رسول الله ، إن هذا جاورني في أرض لي فقطع طائفة منها فأدخلها في أرضه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « هل لك بينة على ما تزعم؟ » فقال : القوم كلهم يعلمون أني صادق وأنه كاذب ، ولكنه أكرم عندهم مني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا امرأ القيس ، ما يقول هذا؟ » قال : ما يقول إلا الباطل . قال : « فقم فاحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له قِبَلك من شيء مما يقول ، وإنه لكاذب فيما يقول » قال : نعم . قال الحضرمي ، إنا لله ، أتجعلها يا رسول الله إليه ، إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط » فقام امرؤ القيس ليحلف ، فنزلت هاتان الآيتان : ﴿ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ أي : عرضاً من الدنيا يسيراً ﴿ إِنَّمَا عِندَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ . قال : ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
فقام الأشعث بن قيس فأخذ بمنكبي امرىء القيس فقال : ويلك يا امرأ القيس إنه قد نزلت آيتان فيك وفي صاحبك ، خيرتهما له ، والأخرى لك ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط » فأقبل امرؤ القيس فقال : يا رسول الله ، ما أنزل في؟ فتلا عليه الآيتين .
فقال امرؤ القيس : أما ما عندي فينفد ، وأما صاحبي فيجازى بأحسن ما كان يعمل؛ اللهم إنه صادق ، وإني أشهد الله إنه صادق ، ولكن والله ما أدري ما بلغ ما يدّعي من أرضه في أرضي ، فقد أصبتها منذ زمان ، فله ما ادّعى في أرضي ومثلها معها . فنزلت هذه الآية .
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فقال امرؤ القيس : إليَّ هذه الآية يا رسول الله؟ قال : نعم ، فكبّر امرؤ القيس . وحمد الله وشكره .
ذكر بعضهم في قوله : ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ قال : هي القناعة ، وقال بعضهم : هي الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٧
﴿ مَا عِنْدَكُمْ ﴾ من الدنيا ، ولو مما حل لكم ﴿ يَنْفَدُ ﴾ ينقضى .
﴿ وَمَا عِنْدَ اللهِ ﴾ فى الآخرة من الجنة لمن لم ينقض ﴿ بَاقٍ ﴾ لا ينقضى ومن الجائز أن يقال ما عند الله باق شامل لاستمرار الغنائم والفتوحات ، وما يتأهل بالإسلام ، وأيضًا تتصل نعم الدنيا الإسلامية بنعم الآخرة التى تدوم ، فذلك دوام ، أو ما عند الله فى الموضعين نعم الآخرة ، أخبرنا سبحانه أنها خير من الدنيا وأنها باقية ، ولا تكرر بهذا ، ولعن الله حبهم بن صفوان على قوله : بأن نعم الآخرة تنقضى ، بخلاف ما يعدكم به المشركون فشئ محصور حقير .
﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ على الوفاء وعدم النقض والفقر وإيذاء الكفار ومشاق التكليف ، وعن اللذات ، وعلى المصائب .
﴿ أَجْرَهُمْ ﴾ على ذلك مفعول ثان ﴿ بِإَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ متعلق بأجرهم ، ونجزى بمعنى نعطى ، أى نعطيهم الإثابة بحسن ما يعملون ، وأحسن خارج عن التفضيل بمعنى حسن متحرز به عن القبيح من أعمالهم ، وما مصدرية أو اسم أو أخرهم مفعول مطلق لنجزى ، والباء متعلق بنجزى ، ولنجزينهم الجزاء المتأهلين له ، والمراد ثواب عملهم الحسن ، وهو الفرض والنفل ، والصباح الذى قصدوا به العبادة أو باق على التفضيل بمعنى أنهم إذا صلوا قعودًا أو مضطجعين لعذر ، متيممين كتبنا لهم الصلاة بوضوء وطهارة كاملة فى القيام ، وما أشبه ذلك .
وأما ما قيل من أن المعنى بجزاء أحسن من أعمالهم ، فلا يصح لأن فيه إضافة اسم التفضيل إِلى ما لا يشمله لا تقول : يوسف أحسن إخوته ، لأن إخوةه لا تشمله ، وتقول يوسف أحسن أولاد يعقوب ، لأن أولاد يعقوب يشمل يوسف ، وذلك أنه فسر أحسن بالثواب ، ولو فسر بالعمل لجاز لأنه يشمله ، فيجوز أن يقدر لنجزينهم بالعمل الأعلى على العمل الأدنى ، مثل أن يجازيهم بالفرض على الفعل يعطيه على النفل ثواب الفرض ، ومن الأحسنية أن الحسنة بعشر فصاعداً أو أحسن ما كانوا يعملون الصبر ، وهو من أعمال القلب ، وهو من جملة الأعمال ، وهو أحسنها لأن جميع التكاليف محتاجة إليه فهو رأسها .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٧