أَوۡ خَلۡقࣰا مِّمَّا یَكۡبُرُ فِی صُدُورِكُمۡۚ فَسَیَقُولُونَ مَن یُعِیدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِی فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةࣲۚ فَسَیُنۡغِضُونَ إِلَیۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَرِیبࣰا٥١
الرسم الإملائيّ
أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا
الجزء ١٥الربع ١١٥ صفحة ٢٨٧
تفسيرها
﴿وَقَالُواْ: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ ترابا وحطاما ، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل: كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في الشدة والقوة ، ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل: السماوات والأرض ، وقيل: الموت ، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت ، ﴿فَسَيَقُولُونَ: مَن يُعِيدُنَا؟قُلِ :الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمعنى : أنكم تستعبدون أن يجدد الله خلقكم ، ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ فسيحركونها تعجبا واستهزاء ، ﴿وَيَقُولُونَ : مَتَى هُوَ؟﴾ أي: البعث ، استبعادا له ونقيا ، ﴿قُلْ :عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: هو قريب ، و"عسى" للوجوب.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٠
قوله : ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ لما قالوا : ﴿ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ﴾ . قال الحسن : فقال الله : ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ﴾ ﴿ أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ أي : الموت ، أي : إذاً لأماتكم ثم يبعثكم يوم القيامة ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ﴾ أي : خلقاً جديداً ﴿ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ أي : فسيحرّكون إليك رؤوسهم تكذيباً واستهزاءاً . قال : ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ﴾ يعنون البعث ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ﴾ . وعسى من الله واجبة؛ وكل ما هو آتٍ قريب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٠
﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا ﴾ مخلوقاً ﴿ مِمَّا تَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ﴾ مما يعظم فى قلوبكم أن يكون قابلا للحياة ، ويستبعدون جداً قبول الحياة فيه ، ولا يُعلم أن جسما ما من الأجسام أبعد عن الحياة من الحديد ودونه الحجر ، لأنه ينمو بالمشاهدة فيما يقطع ، كحجارة الجبس ، ولو قطعت مدن كثيرة من موضع واحد من جبل ، لم يتبين فيه النقص الكثير مما هو مشاهد ولعل الإعراض أبعد فى قلوبهم فى قبول الحياة من الأجسام أو الذكر ، لأنه يقطع الحديد إلا أنه يقبل الكسر أكثر من الحديد .
أو نقول : المراد ما تستكبره عقولكم ، ولو كان أدنى فى البُعد من الحجارة والحديد ، لأن المقام لإبكاتهم فى كل ما أرادوا من ذلك ، وقدرته صالحة لكل ممكن ، ولا سيما إحياء ما قد كان قبل حيا ، فإنه عندكم أسهل مما لم تسبق حياته وعند الله سواه حتى إنه يكفّر مَم قتل إنها أسهل مما لم تسبق فيه .
وعن مجاهد : الذى يكبر السماوات والأرض والجبال ، وعن ابن عباس وابن عمرو والحسن وسعيد بن جبير : الأكبر الموت بمعنى لو كنتم نفس الموت لأحياكم مع أن الموت بضاد الحياة ، والأمر للإهانة والتحقير ، كقول موسى عليه السلام : ﴿ ألقوا ما أنتم ملقون ﴾ فلا يقتضى الوقوع جزما ، لأنه معنى مجازى له لا يقتضى الحصول أو الأمر للتسخير على الفرض والتقدير ، لأنه يكون حجارة أو حديداً ، لأن التسخير يحصل فيه للفعل ، كالكون قدرة كما قال التفتازانى ، وكان بلفظ الكون ، إذ لم يقل : صيروا ، ولم يقل : قعوا ، لمشاكلة قولهم : كنا ، وقدم الحجارة على سبيل الترقى لأنها دون الحديد فى الصلابة ، ولأنها تنمو كما مر ، وهو جمع حجر حجمالة جمع جمل ، جمعه لأنه خبر كونوا ، واسمه ضمير جمع ، وأفرد حديداً لمجانسة حديداً أو للتخيير أو للتسوية .
﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ﴾ أحياء رطبا بعد أن كنا موتى يبسا . والفاء للسببية ، والتفريع على قوله : ﴿ قل كونوا . . ﴾ إلخ ، الاستفهام للإِنكار ، وأنكروا أولا البعث ، وأنكروا هنا الباعث أى لا أحد يعيدنا .
﴿ قُل الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ من تراب لأبيكم ، أو من لطف أى قل الذى يعيدكم ، الذى فطركم أول مرة ، وهذا أوفق للسؤال ، أو الذى فطركم يعيدكم ، أو يعيدكم الذى فطركم .
﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ يحركونها نحوك استبعاداً وتعجبا ، إنكارا واستهزاء ، أو قيل إنغاض الرءوس تحريكا باضطراب ، وقال الفراء : تحريكها بارتفاع وانخفاض ، وذلك استعارة تمثيلية ، والماضى أنفض بهمزة التعدية والثلاثى لازم تقول ننغض رأسه أى تحرك .
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ﴾ أى البعث أو إعادُنا مصدر أعاد كقوله تعالى : « وإِقام الصلاة » مضافاً لضمير المتكلم ، ولإضافة قدر مذكراً ، أو بحوز رد الضمير إلى الإعادة بالتاء ، لأن الضمير العائد إلى ما ينسبك من الفعل ، وحرف المصدر يذكر كما لا يؤنث له الفعل إذا لم يكن مميزاً ، تقول : أعجبنى أن تقيم أى إقامتك ، ولا تقول أعجبتنى بالتاء ، وقيل : الضمير للعود وهو ضعيف ، والمعنى صحيح ، كأنه عجز قائله عما ذكرت .
﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ الكون تام اسم عسى ، وقريباً خبر مضى ، أو اسم عسى مستتر ، وقريباً خبر يكون ، وأن يكون إلخ خبر عسى ، ونصب قريباً على الخبرية ، أو على الخبرية الظرفية أى فى زمان قريب ، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا أى أن يكون كونا قربها والكون تام ، ومعنى القرب أنه متحقق الوقوع ، فهو كالقريب ، بل كالواقع ولو بعُد أو أن الدنيا كلها قريبة لأنتهاء ، أو ما مضى هو لأكثر ، وما بقى قليل بالنسبة .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٠