تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الإسراء

الجزء الإسراء · صفحة ٠
[سورة الإسراء — آية 51]

﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا ﴾ مخلوقاً ﴿ مِمَّا تَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ﴾ مما يعظم فى قلوبكم أن يكون قابلا للحياة ، ويستبعدون جداً قبول الحياة فيه ، ولا يُعلم أن جسما ما من الأجسام أبعد عن الحياة من الحديد ودونه الحجر ، لأنه ينمو بالمشاهدة فيما يقطع ، كحجارة الجبس ، ولو قطعت مدن كثيرة من موضع واحد من جبل ، لم يتبين فيه النقص الكثير مما هو مشاهد ولعل الإعراض أبعد فى قلوبهم فى قبول الحياة من الأجسام أو الذكر ، لأنه يقطع الحديد إلا أنه يقبل الكسر أكثر من الحديد .

أو نقول : المراد ما تستكبره عقولكم ، ولو كان أدنى فى البُعد من الحجارة والحديد ، لأن المقام لإبكاتهم فى كل ما أرادوا من ذلك ، وقدرته صالحة لكل ممكن ، ولا سيما إحياء ما قد كان قبل حيا ، فإنه عندكم أسهل مما لم تسبق حياته وعند الله سواه حتى إنه يكفّر مَم قتل إنها أسهل مما لم تسبق فيه .

وعن مجاهد : الذى يكبر السماوات والأرض والجبال ، وعن ابن عباس وابن عمرو والحسن وسعيد بن جبير : الأكبر الموت بمعنى لو كنتم نفس الموت لأحياكم مع أن الموت بضاد الحياة ، والأمر للإهانة والتحقير ، كقول موسى عليه السلام : ﴿ ألقوا ما أنتم ملقون ﴾ فلا يقتضى الوقوع جزما ، لأنه معنى مجازى له لا يقتضى الحصول أو الأمر للتسخير على الفرض والتقدير ، لأنه يكون حجارة أو حديداً ، لأن التسخير يحصل فيه للفعل ، كالكون قدرة كما قال التفتازانى ، وكان بلفظ الكون ، إذ لم يقل : صيروا ، ولم يقل : قعوا ، لمشاكلة قولهم : كنا ، وقدم الحجارة على سبيل الترقى لأنها دون الحديد فى الصلابة ، ولأنها تنمو كما مر ، وهو جمع حجر حجمالة جمع جمل ، جمعه لأنه خبر كونوا ، واسمه ضمير جمع ، وأفرد حديداً لمجانسة حديداً أو للتخيير أو للتسوية .

﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ﴾ أحياء رطبا بعد أن كنا موتى يبسا . والفاء للسببية ، والتفريع على قوله : ﴿ قل كونوا . . ﴾ إلخ ، الاستفهام للإِنكار ، وأنكروا أولا البعث ، وأنكروا هنا الباعث أى لا أحد يعيدنا .

﴿ قُل الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ من تراب لأبيكم ، أو من لطف أى قل الذى يعيدكم ، الذى فطركم أول مرة ، وهذا أوفق للسؤال ، أو الذى فطركم يعيدكم ، أو يعيدكم الذى فطركم .

﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ يحركونها نحوك استبعاداً وتعجبا ، إنكارا واستهزاء ، أو قيل إنغاض الرءوس تحريكا باضطراب ، وقال الفراء : تحريكها بارتفاع وانخفاض ، وذلك استعارة تمثيلية ، والماضى أنفض بهمزة التعدية والثلاثى لازم تقول ننغض رأسه أى تحرك .

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ ﴾ أى البعث أو إعادُنا مصدر أعاد كقوله تعالى : « وإِقام الصلاة » مضافاً لضمير المتكلم ، ولإضافة قدر مذكراً ، أو بحوز رد الضمير إلى الإعادة بالتاء ، لأن الضمير العائد إلى ما ينسبك من الفعل ، وحرف المصدر يذكر كما لا يؤنث له الفعل إذا لم يكن مميزاً ، تقول : أعجبنى أن تقيم أى إقامتك ، ولا تقول أعجبتنى بالتاء ، وقيل : الضمير للعود وهو ضعيف ، والمعنى صحيح ، كأنه عجز قائله عما ذكرت .

﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ الكون تام اسم عسى ، وقريباً خبر مضى ، أو اسم عسى مستتر ، وقريباً خبر يكون ، وأن يكون إلخ خبر عسى ، ونصب قريباً على الخبرية ، أو على الخبرية الظرفية أى فى زمان قريب ، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا أى أن يكون كونا قربها والكون تام ، ومعنى القرب أنه متحقق الوقوع ، فهو كالقريب ، بل كالواقع ولو بعُد أو أن الدنيا كلها قريبة لأنتهاء ، أو ما مضى هو لأكثر ، وما بقى قليل بالنسبة .

٢٬٠٨٠ / ٦٬٢٣٦