سورة الإسراء · الآية ٦٤ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَیۡهِم بِخَیۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا٦٤
الرسم الإملائيّ

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

الجزء ١٥الربع ١١٥ صفحة ٢٨٨

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 64]

﴿قَالَ : اذْهَبْ﴾ أي: امض لِشأنك الذي اخترته ، خذلانا وتخلية ، ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ، وَاسْتَفْزِزْ﴾ استزل واستخف ، استفزه ، أي استخفه ، والفز: الخفيف ، ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ بالوسوسة والدعاء إلى معصية الله ، ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ اجمع وضج بهم ، من الجلبة والحشر ، أي: احشر عليهم . قال مقاتل: " استعن عليهم بركبان خيلك ومشاتهم" ، والخيل له خيل﴿كذا﴾ ، ورجل من الجن والإنس ، وذلك استعارة ، أي: اقضي ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل ، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال ، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ قال الزجاج:" كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم ". ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيد الكاذبة ، الدينية والدنيوية ، ومن ذلك ما يعدهم بالغفران مع الإصرار ، وبقبول الطاعة مع المعاصي ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ وهو تزين الخطإ بما يوهم أنه صواب.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٩٣

[سورة الإسراء — آية 64]

قوله : ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾ يعني بدعائك ، أي : بوسوستك . ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ .

قال مجاهد : كل فارس في معصية الله فهو من خيل إبليس ، وكل راجل في معصية الله فهو من رَجل إيليس . وقال بعضهم : رجاله الكفار والضّلاّل من الجِنّ والإِنسِ . وكان الحسن يقرأها : ﴿ وَرِجَالِكَ ﴾ وقال : وإن له خيلاً وإن له رجالاً .

قوله : ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ ﴾ قال الحسن : شركته إياهم في الأموال أنه أمرهم ، أي : وسوس إليهم ، فأخذوها من حرام وأنفقوها في غير حقها . وشركته إياهم في الأولاد أن الله أعطاهم أولاداً على الفطرة فصبغوهم يهوداً ونصارى أو مجوساً أو عابدي وثن .

وقال الكلبي : شركته إياهم في الأموال ما كانوا يحرّمون مما أحلّ الله لهم ، وكل ما أصابوا من غير حلّه ووضعوه في غير حقّه ، وشركته إياهم في الأولاد ما ولد من الزنا .

قوله : ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ أي : بالأماني ، أي : بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار . وهذا وعيد من الله للشيطان ، كقول الرجل : اذهب فاجهد على جهدك ، وليس على وجه الأمر له .

قال : ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٩٣

[سورة الإسراء — آية 64]

﴿ وَاسْتَفْزِزْ ﴾ استخفف ، أى احملهم على الخفة ، وأزعجهم ، والأمر تهديد وكذا باقى هذه الأوامر ، كما يأتى ، ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله عز وجل كما يأتى .

﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ أن تستفزه ﴿ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾ بدعائك إلى المعصية ، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما : وهو الوسوسة تارة ، والنطق أُخرى ، والغالب الأول وهو مجاز ، وفى الثانى الجمع بينه وبين الحقيقة ، وعبارة بعض بصوتك بدعائك بالغناء والمزامير ، وكل ما يوصل إِلى المعصية ، وعبارة بعض الغناء واللهو واللعب ، أسكن آدم أولاد هابيل فى حبل وأولاد قابيل تحته وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان تحته ، فانحدر أولاد هابيل إِليهم لذة ذلك الصوت ، فافترقوا ، أول الأمر للتهديد كقولك : احتهد جهدك ، فسترى ما ينزل بك ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله عز وجل وكذا الأوامر الأربعة بعد هذا فى قوله :

﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ ﴾ ومعنى أجلب صِح ، والجلبة : الصوت ، أى سقهم وتصرف فيهم بكل ما تريد ، وخيلك الركاب كقوله صلى الله عليه وسلم : « يا خيل الله اركبى » إلا أن الآية تحتمل تقدير المضاف ، أى برجال خيلك ، كما جاز أن الخيل عبارة عن الركاب مجازاً مرسلا لعلاقة الجوار ، وهذا متعين فى الحديث الخيل بمعنى الركاب ولا يقدر ركاب خيل لأنه قال اركبى ، ولم يقل اركبوا .

وفيه مجاز عقلى أسند الركوب للخيل ، لأنها آلة للركوب ، وللجواز ويجوز أن يكون أجلب بمعنى جلب ، أى جمع لوروده كذلك ، فتكون الباء صلة فى المفعول به ، والخيل اسم جمع لا مفرد له ، ولو قيل مفرده خائل ، وقال الأخفش فى مثله إنه جمع مثل صحب وركب وطير ، والرجال خيالة ، وهم راكبوها ، والرجل جمع راجل أو اسم جمع له كما مر فى صحب ونحوه وهو الماشى على رجله ، أى صِح عليهم بكل من تحت يدك من راكب وماش فى معصية أو اجمعهم عليهم .

ولا يخفى أنا لمراد بخيلك ورجلك ، الكناية عن الأعوان لا حقيقة الراكب والماشى ، ولو كان من الجائز أن يكون له جند بعضه راكب وبعضه ماش ، وجند إِبليس يومئذ من الجن .

ويجوز أن يراد منهم ومن الإنس ، لعلم الله بأنه سيكون ذلك ، قال ابن عباس : له خيل ورجل من الجن والإنس ، فمن قائل فى معصية راجلا أو راكبًا ، فهو من جنده ، ويجوز أن يكون قوله : ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب ﴾ إلخ استعارة تمثيلية بأن شبه حرص الشيطان فى الإغواء ، وأعماله بهذه فيه بحرص من حرص على الإغارة على الناس ، وجمعه لها ، ومعنى المشاركة فى الأموال أن يحملهم على كسبها من الحرام ، ومنع حقها ، وصرفها فى الحرام ، كالزنى والفُجر والذبح للأصنام ، وكسب السوائب والبحائر وتضييعها .

ومعنى المشاركة فى الأولاد أن يكون ماؤهم المتولدون هم منه ، من مال حرام ، أو يأتون نساءهم باشتبائهم غيرهن ، والاستحضار فى القلب ، وتسميتهم بعبد العزى ، وعبد الحارث ، وعبد شمس ، وعبد مناة ، وعبد اللات . وحملهم على المعاصى ، والإِشراك ، وكسب الأولاد بالزنى وقتل الولد ، خوف العيب والعار أو الفقر ، وإذا لم يسم عند إِرادة الوطء انطوى الشيطان على ذكره ، فشاركه فى الولد من ذلك الوطء .

﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ أى احملهم على اعتقاد أن لا بعث ولا عقاب ، وأن الآلهة تشفع لهم فى الدنيا ، وإن كانت الآخرة حقًّا شفعت لهم فيها أيضًا ، وإن كرم الآباء والأنساب نافع فى الآخرة للأولاد ، وأن الشفاعة تكون للمصرين ، وعلى تأخير التوبة ، وأنه لا خلود لسعة رحمة الله .

﴿ وَمَا يَعِدْهُمُ ﴾ بذلك ﴿ الشَّيْطَانُ ﴾ جنس الشيطان أو المعبود ، وهو إبليس وهو أولى ، لأن الكلام بعد فيه فيكون على الالفات ، والأصل وما تعدهم .

﴿ إِلاّ غُرُورًا ﴾ إلا وعد غرور ، أو وعداً غروراً ووعداً غاراً أو وعده نفس الغرور مبالغة ، أو لأجل غرور ، وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب ، ويعين على دفع وسوسة الشيطان أن تضع فى حالها يمناك على جانب صدرك الأيسر ، بحذاء قبلك ، وتقول : سبحان الملك القدوس الخلاق الفعال سبعًا ، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على الله بعزيز .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٩٣