سورة الإسراء · الآية ٨٥ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَیَسۡءَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا٨٥
الرسم الإملائيّ

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

الجزء ١٥الربع ١١٦ صفحة ٢٩٠

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 85]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ، قُلِ : الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من الأمر الذي يعلمه ربي. الجمهور : على أنه الروح الذي في الحيوان ، سألوه عن حقيقته ، فأخبر أنه من أمر الله ، أي: مما استأثر بعلمه . وعن أبي يزيد :" لقد مضى النبي وما يعلم من الروح ، وقد عجزت الأقاويل عن إدارك ذاتيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه". والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدارك معرفة مخلوق مجاور له ، ليدل على أنه عن إدارك خالقه أعجز ، وقوله: ﴿ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ دليل على خلق الروح ، فكان هذا جوابا . ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال أبو سعيد العماني:" قد قيل: فيما يروى أنه لما كان من أمر موسى والخضر وإذا الافتراق ، نزل عليهما طير من السماء إلى البحر أو إلى الأرض فأخذ بمنقاره من البحر أوالأرض ، فقال الخضر لموسى: أتعرف يا موسى ما هذا الطير ؟ أو ما يراد به؟ قال: موسى لا أعرف ذلك ، قال: هذا أرسل إلينا ليعرفنا ، أو يعلمنا أن جميع علم ما خلق الله من أهل الأرض وغيرهم ، مع علم الله مثل ما احتمل بمنقاره من البحر ، ولا نبلغ ذلك" ، هكذا عندي على معنى الرواية ، لا على اللفظ.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٤

[سورة الإسراء — آية 85]

قوله : ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ذكر مجاهد أن ناساً من اليهود لقوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو على بغلته فسألوه عن الروح فأنزل الله : ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

وفي تفسير الكلبي أن المشركين بعثوا رسلاً إلى المدينة فقالوا لهم : سلوا اليهود عن محمد وصِفوا لهم نعته وقوله ، ثم ائتونا فأخبرونا .

فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيد لهم . فسألوهم عن محمد ووصفوا لهم نعته . فقال لهم حبر من أحبار اليهود : إن هذا لنعت النبي الذي نُحدَّث أن الله باعثه في هذه الأرض . فقالت له رسل قريش : إنه فقير عائل يتيم لم يتّبعه من قومه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان . فضحك الحبر وقال : كذلك نجده . فقالت رسل قريش : إنه يقول قولاً عظيماً : يدعو إلى الرحمن ويقول : إن الذي باليمامة الساحر الكذاب ، يعنون مسيلمة . فقالت لهم اليهود : لا تكثروا علينا . اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلال ثلاث ، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهن . فأما اثنتان فإنهما لا يعلمهما إلا نبي ، فإن أخبركم بهما فإنه صادق . وأما الثالثة فلا يجترىء عليها أحد . قالت لهم رسل قريش : أخبرونا بهن . فقالت لهم اليهود : سلوه عن أصحاب الكهف والرقيم ، وقصوا عليهم قصتهم ، واسألوه عن ذي القرنين ، وحدثوهم بأمره ، واسألوه عن الروح ، فإن أخبركم فيه بشيء فهو كاذب .

فرجعت رسل قريش إليهم فأخبروهم بذلك . فأرسلو إلى نبيّ الله فلقيهم فقالوا له : يا ابن عبد المطلب ، إنا سائلوك عن خلال ثلاث ، فإن أخبرتنا عنهن فأنت صادق ، وإلا فلا تذكر آلهتنا بسوء .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وما هن؟ » قالوا : أخبرنا عن أصحاب الكهف ، فإنا قد أخبرنا عنهم بآية بيّنة ، وأخبرنا عن ذي القرنين ، فإنا أخبرنا عنه بأمر بيّن . وأخبرنا عن الروح . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنظروني حتى أنظر ما يُحدِث إليَّ فيه ربّي » قالوا : فإنا ناظروك فيه ثلاثة أيام . فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا يأتيه جبريل . ثم أتاه جبريل . فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا جبريل ، قد رأيت ما سألني عنه قومي ، ثم لم تأتني . فقال له جبريل : ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ [ مريم : 64 ] . فإذا شاء ربك أرسلني إليك . ثم قال له جبريل : ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

ثم قال : ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴾ [ الكهف : 9 ] ، فذكر قصتهم . ثم قال : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ [ الكهف : 83 ] . فذكر قصته .

ثم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في آخر اليوم الثالث فقالوا : ماذا أحدث لك ربك في الذي سألناك عنه ، فقصّه عليهم . فعجبوا ، فغلب عليهم الشيطان أن يصدقوه .

ذكروا أن ابن عباس فسّر الروح مرة واحدة ثم أمسك عن تفسيرها . وفسّرها بعض السلف مرة واحدة ، ثم كفّ عن تفسيرها . وأما الحسن فقال الروح : القرآن . قال : ﴿ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ أي : القرآن من أمر ربي ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

وذكروا عن بعض التابعين أنه قال : الروح خلق من خلق الله لهم أيد وأرجل .

وقال بعضهم : لقيت اليهود نبيُّ الله فتعنّتوه وسألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين؛ فأنزل الله : ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي : اليهود .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٤

[سورة الإسراء — آية 85]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ أى اليهود ، عند ابن مسعود رضى الله عنه ، والدليل معرفته صلى الله عليه وسلم بالسائلين ، ولو لم يتقدم ذكر اليهود قريبًا أو قريش بتعليم اليهود عند ابن عباس رضى الله عتهما ، إذ قالوا لقريش تعنتًا : اسألوا عن الروح ، ويناسب الأول قوله عز وجل : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ لأن المتصفين بالعلم اليهود لا قريش ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : بينما أنا أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب ، فمر بنفر من اليهود فقال بعض لبعض : اسألوه عن الروح ، وقال بعض : لا لئلا يجئ بما تكرهونه ، وقال بعض : اسألوه فقام رجل منهم فقال : يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت ، فقلت : يوحى إِليه فقمت فلما انجلى عنه قال : ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح ﴾ الآية ، فقال بعضهم : قد قلنا لكم لا تسألوه . وهذا فى المدينة .

وقال ابن عباس رضى الله عنهما : اجتمع قريش أى فى مكة ، وقالوا : إن محمداً أنشأ فينا بالأمانة والصدق ، وما اتهمناه بكذب قط ، فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمجينة ، واسألوهم عنه ، فإنهم أهل كتاب؛ فبعثوا جماعة ، منهم النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبى معيط ، وهما أكبر الجماعة ، فاقتصر بعضهم عليهما ، أو هما المراد بالجماعة ، فقال اليهود : اسألوه عن فتية فُقِدُوا فى الزمان الأول ، ما كان أمرهم؟ ولهم حديث عجيب؟ وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ وعن الروح فإن أجاب عن ذلك كله أو لم يجب عن شئ ، فليس نبيًّا ، وإن أجاب عن اثنين فقط فهو نبى .

فسألوه صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم بأصحاب الكهف وذى القرنين بعد ما رجعوا إليه فى مكة ، وسألوه فذلك سؤال وقع فى مكة ، ووقع بعد الهجرة ، والذى تلبث الوحى فيه هو سؤالهم بمكة ، كما روى أنهم سالوه فقال : أخبركم غداً ، ولم يقل إن شاء الله ، فلبث عنه الوحى اثنى عشر يومًا ، وقيل : خمسة عشر ، وقيل : أربعين يومًا فقالوا : وعدنا أن يخبرنا غداً فلم يخبرنا ، وحزن صلى الله عليه وسلم ، وشق عليه ذلك ، ثم نزل قوله تعالى : ﴿ ولا تقولن لشئ إِنى فاعل ذلك غداً إِلا أن يشاء الله ﴾ ونزل فى الفتية : ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف ﴾ إلخ وفى ذى القرنين قوله تعالى : ﴿ ويسأَلونك عن ذى القرنين ﴾ إلخ .

ونزل : « ويسألونك » ﴿ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ولم يخبره بالروح ، وكانت مبهمة فى التوراة فنقول : وقع السؤال فى مكة وفى المدينة ، وابن عباس ، رواه له الصحابة بحسب ما وقع فى مكة ، ومعنى سؤالهم عن الروح أنهم سألوه عن حقيقتها أو محلها من الحيوان ، أو أ قديمة أم حارثة ، أمجردة أم حالّة فى متحيز ، أتبقى بعد الموت أم تفنى ، والظاهر السؤال عن حقيقتها ، وزعم بعض أن الروح المسئول عنها ملك هو صف ، والملائكة كلهم صف ، وبعض أنه جنس من الملائكة على صورة ابن آدم ، لا ينزل ملَك إِلا ومعه واحد منهم .

وعن مجاهد : لا تراهم الملائكة كما لا ترى الملائكة . وعن سلمان : الجن تسعة أجزاء ، والإنس جزء عاشر والملائكة تسعة ، والجن جزء . والروح تسعة ، والملائكة جزء والكروميون تسعة ، والروح جزء وقيل الروح المسئول عنه جبريل كما قال الله عز وجل : ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ وقيل : القرآن ، كما قال عز وجل : ﴿ كذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ﴾ ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ ﴾ تبعيضية أو بيانية ﴿ أَمْرِ رَبِّى ﴾ أجبْهم بعارض من عوارضها ، إذ لم يعرفه الله بحقيقتها ، وذاتيتها ، إذ لم يجعل الله علمًا بذلك لأحد ، كما أجاب موسى عليه السلام من قال : ﴿ وما رب العالمين ﴾ ولم يقل : قل هى من أمر ربى ، إظهاراً لكمال الاعتبار فى شأنها ، وفى قوله : ﴿ من أمر ربى ﴾ أنها حادثة مخلوقة لله عز وجل ، يقول : كن ، وهو أمره ومعناه توجه الإرادة إلى وجودها ، أو خلق الله له لفظ كن حيث شاء إلا أول المخلوقات ، فيتقدمه مخلوق وهو لفظ كن على هذا بلا محل ، ولا ناطق به ، والصحيح فى أمره وقول كن توجه الإرادة على الاستعارة التمثيلية وأمر ربى قوله : كن ضد النهى .

ويجوز أن يكون أمر ربى بمعنى شأنه ، فيكون بمعنى أمر من أمور الله ، والصحيح أن الأرواح حادثة يخلقها الله إذا دخل الجنين فى الشهر الخامس ، وقيل : الأرواح مخلوقة قبل الأجسام كلها ، كما قيل أول المخلوقات روح سيدنا محمد ونوره ، ومن قال الأرواح قديمة أشرك ، والقول بأنها خلقت قبل لأجساد خطأ عند بعض المحققين ، فيستثنى روحه صلى الله عليه وسلم .

وقوله صلى الله عليه وسلم : « ينفخ فى الجنين الروح » لا ينص على عدم سبقها ، لجواز أن الملك يأتى بها من خارج فينفخ بها ، وقيل : نكر الله الروح فى التوراة ، وأبهمه عنهم وهو جبريل ، وقيل خلق أعظم من الملائكة ، وقيل الوحى ، وقد علم ذلك كله ، لكن لم يعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك هو المراد فى التوراة ، أو علم فلم يخبرهم ليطابق قولهم : إنه يجيب عن اثنين ويسكت عن واحد ، أو يسألوه صلى الله عليه وسلم كيف جبريل فى نفسه ، وكيف قيامه فى تبلغ الوحى فقال : ﴿ قل الروح من أمر ربى ﴾ أى من عالم الأمر أو وجوده بأمره جل وعلا ، أو تكوينه أو ينزل ، أو يبلغ بأمره كما قال : ﴿ وما تتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقد سمى روحًا فى قوله عز وجل : ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾

وقوله : ﴿ فأَرسلنا إليك روحًا ﴾ ومن أن الروح ملك أعظم الملائكة ، وهو أى جبري المراد فى قوله تعالى : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفًا ﴾ وأنه المراد فى السؤال .

قال علىّ : له سبعون ألف وجه ، لكل وجه سبعون سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة ، يسبح الله بها ، ويخلق الله بكل تسبيحة ملكاً ، ولا خلق أعظم منه غير العرش والسموات والأرض ، وهو فى صورة الملائكة ووجه الإنسان ، وهو عن يمين العرش يوم القيامة ، يشفع لأهل التوحيد لو ستر من نور بينه وبين الملائكة لاحترقوا من نوره .

وعن ابن عباس : الروح جند الله ، لهم أيد وأرجل ، وقيل : عيسى ويتجه تفسير الروح بالقرآن يتقدمه فى قوله عز وجل : ﴿ وننزل من القرآن ﴾ إلخ وتأخره فى قوله : ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذى ﴾ إلى قوله ﴿ ظهيراً ﴾ سألوه عنه فقال : إنه ليس من كلام الخلق ، بل من أمر ربى وقد سماه روحا فى قوله عز وجل : ﴿ أوحينا إليك روحا ﴾ وقوله : ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ وكل من القرآن وجبريل للقلب كالروح للجسد .

ومن جملة ما أمر بقوله تعالى : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ لتستفيدوه بسمعكم وأبصاركم ، وسؤالكم وحواسكم ، ومنها الحواس الباطنة المدركة للوجدانيات ، ومن فقد حسًّا فقد علما ، ولا يليق بكم معرفة الروح ، والخطاب للناس مطلقا ، وقيل : لليهود ، قالوا : أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير يدل للأول أنه لما قال لهم : ﴿ وما أوتيتم ﴾ إلخ قالوا : أنحن مختصون بهذا الخطاب فقال : بل نحن وأنتم ، فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول : ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ وساعة تقول هذا ، فنزل : ﴿ ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام ﴾ إلخ ، فإن معلومات الله لا تتناهى .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٤