سورة الإسراء
الجزء الإسراء · صفحة ٠﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ أى اليهود ، عند ابن مسعود رضى الله عنه ، والدليل معرفته صلى الله عليه وسلم بالسائلين ، ولو لم يتقدم ذكر اليهود قريبًا أو قريش بتعليم اليهود عند ابن عباس رضى الله عتهما ، إذ قالوا لقريش تعنتًا : اسألوا عن الروح ، ويناسب الأول قوله عز وجل : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ لأن المتصفين بالعلم اليهود لا قريش ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : بينما أنا أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب ، فمر بنفر من اليهود فقال بعض لبعض : اسألوه عن الروح ، وقال بعض : لا لئلا يجئ بما تكرهونه ، وقال بعض : اسألوه فقام رجل منهم فقال : يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت ، فقلت : يوحى إِليه فقمت فلما انجلى عنه قال : ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح ﴾ الآية ، فقال بعضهم : قد قلنا لكم لا تسألوه . وهذا فى المدينة .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما : اجتمع قريش أى فى مكة ، وقالوا : إن محمداً أنشأ فينا بالأمانة والصدق ، وما اتهمناه بكذب قط ، فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمجينة ، واسألوهم عنه ، فإنهم أهل كتاب؛ فبعثوا جماعة ، منهم النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبى معيط ، وهما أكبر الجماعة ، فاقتصر بعضهم عليهما ، أو هما المراد بالجماعة ، فقال اليهود : اسألوه عن فتية فُقِدُوا فى الزمان الأول ، ما كان أمرهم؟ ولهم حديث عجيب؟ وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ وعن الروح فإن أجاب عن ذلك كله أو لم يجب عن شئ ، فليس نبيًّا ، وإن أجاب عن اثنين فقط فهو نبى .
فسألوه صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم بأصحاب الكهف وذى القرنين بعد ما رجعوا إليه فى مكة ، وسألوه فذلك سؤال وقع فى مكة ، ووقع بعد الهجرة ، والذى تلبث الوحى فيه هو سؤالهم بمكة ، كما روى أنهم سالوه فقال : أخبركم غداً ، ولم يقل إن شاء الله ، فلبث عنه الوحى اثنى عشر يومًا ، وقيل : خمسة عشر ، وقيل : أربعين يومًا فقالوا : وعدنا أن يخبرنا غداً فلم يخبرنا ، وحزن صلى الله عليه وسلم ، وشق عليه ذلك ، ثم نزل قوله تعالى : ﴿ ولا تقولن لشئ إِنى فاعل ذلك غداً إِلا أن يشاء الله ﴾ ونزل فى الفتية : ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف ﴾ إلخ وفى ذى القرنين قوله تعالى : ﴿ ويسأَلونك عن ذى القرنين ﴾ إلخ .
ونزل : « ويسألونك » ﴿ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ولم يخبره بالروح ، وكانت مبهمة فى التوراة فنقول : وقع السؤال فى مكة وفى المدينة ، وابن عباس ، رواه له الصحابة بحسب ما وقع فى مكة ، ومعنى سؤالهم عن الروح أنهم سألوه عن حقيقتها أو محلها من الحيوان ، أو أ قديمة أم حارثة ، أمجردة أم حالّة فى متحيز ، أتبقى بعد الموت أم تفنى ، والظاهر السؤال عن حقيقتها ، وزعم بعض أن الروح المسئول عنها ملك هو صف ، والملائكة كلهم صف ، وبعض أنه جنس من الملائكة على صورة ابن آدم ، لا ينزل ملَك إِلا ومعه واحد منهم .
وعن مجاهد : لا تراهم الملائكة كما لا ترى الملائكة . وعن سلمان : الجن تسعة أجزاء ، والإنس جزء عاشر والملائكة تسعة ، والجن جزء . والروح تسعة ، والملائكة جزء والكروميون تسعة ، والروح جزء وقيل الروح المسئول عنه جبريل كما قال الله عز وجل : ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ وقيل : القرآن ، كما قال عز وجل : ﴿ كذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ﴾ ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ ﴾ تبعيضية أو بيانية ﴿ أَمْرِ رَبِّى ﴾ أجبْهم بعارض من عوارضها ، إذ لم يعرفه الله بحقيقتها ، وذاتيتها ، إذ لم يجعل الله علمًا بذلك لأحد ، كما أجاب موسى عليه السلام من قال : ﴿ وما رب العالمين ﴾ ولم يقل : قل هى من أمر ربى ، إظهاراً لكمال الاعتبار فى شأنها ، وفى قوله : ﴿ من أمر ربى ﴾ أنها حادثة مخلوقة لله عز وجل ، يقول : كن ، وهو أمره ومعناه توجه الإرادة إلى وجودها ، أو خلق الله له لفظ كن حيث شاء إلا أول المخلوقات ، فيتقدمه مخلوق وهو لفظ كن على هذا بلا محل ، ولا ناطق به ، والصحيح فى أمره وقول كن توجه الإرادة على الاستعارة التمثيلية وأمر ربى قوله : كن ضد النهى .
ويجوز أن يكون أمر ربى بمعنى شأنه ، فيكون بمعنى أمر من أمور الله ، والصحيح أن الأرواح حادثة يخلقها الله إذا دخل الجنين فى الشهر الخامس ، وقيل : الأرواح مخلوقة قبل الأجسام كلها ، كما قيل أول المخلوقات روح سيدنا محمد ونوره ، ومن قال الأرواح قديمة أشرك ، والقول بأنها خلقت قبل لأجساد خطأ عند بعض المحققين ، فيستثنى روحه صلى الله عليه وسلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « ينفخ فى الجنين الروح » لا ينص على عدم سبقها ، لجواز أن الملك يأتى بها من خارج فينفخ بها ، وقيل : نكر الله الروح فى التوراة ، وأبهمه عنهم وهو جبريل ، وقيل خلق أعظم من الملائكة ، وقيل الوحى ، وقد علم ذلك كله ، لكن لم يعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك هو المراد فى التوراة ، أو علم فلم يخبرهم ليطابق قولهم : إنه يجيب عن اثنين ويسكت عن واحد ، أو يسألوه صلى الله عليه وسلم كيف جبريل فى نفسه ، وكيف قيامه فى تبلغ الوحى فقال : ﴿ قل الروح من أمر ربى ﴾ أى من عالم الأمر أو وجوده بأمره جل وعلا ، أو تكوينه أو ينزل ، أو يبلغ بأمره كما قال : ﴿ وما تتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقد سمى روحًا فى قوله عز وجل : ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾
وقوله : ﴿ فأَرسلنا إليك روحًا ﴾ ومن أن الروح ملك أعظم الملائكة ، وهو أى جبري المراد فى قوله تعالى : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفًا ﴾ وأنه المراد فى السؤال .
قال علىّ : له سبعون ألف وجه ، لكل وجه سبعون سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة ، يسبح الله بها ، ويخلق الله بكل تسبيحة ملكاً ، ولا خلق أعظم منه غير العرش والسموات والأرض ، وهو فى صورة الملائكة ووجه الإنسان ، وهو عن يمين العرش يوم القيامة ، يشفع لأهل التوحيد لو ستر من نور بينه وبين الملائكة لاحترقوا من نوره .
وعن ابن عباس : الروح جند الله ، لهم أيد وأرجل ، وقيل : عيسى ويتجه تفسير الروح بالقرآن يتقدمه فى قوله عز وجل : ﴿ وننزل من القرآن ﴾ إلخ وتأخره فى قوله : ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذى ﴾ إلى قوله ﴿ ظهيراً ﴾ سألوه عنه فقال : إنه ليس من كلام الخلق ، بل من أمر ربى وقد سماه روحا فى قوله عز وجل : ﴿ أوحينا إليك روحا ﴾ وقوله : ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ وكل من القرآن وجبريل للقلب كالروح للجسد .
ومن جملة ما أمر بقوله تعالى : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ لتستفيدوه بسمعكم وأبصاركم ، وسؤالكم وحواسكم ، ومنها الحواس الباطنة المدركة للوجدانيات ، ومن فقد حسًّا فقد علما ، ولا يليق بكم معرفة الروح ، والخطاب للناس مطلقا ، وقيل : لليهود ، قالوا : أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير يدل للأول أنه لما قال لهم : ﴿ وما أوتيتم ﴾ إلخ قالوا : أنحن مختصون بهذا الخطاب فقال : بل نحن وأنتم ، فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول : ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ وساعة تقول هذا ، فنزل : ﴿ ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام ﴾ إلخ ، فإن معلومات الله لا تتناهى .