وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِیرࣰا٩٧
الرسم الإملائيّ
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا
الجزء ١٥الربع ١١٦ صفحة ٢٩٢
تفسيرها
﴿وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي: من فقه الله لقبول ما كان من الهدى ، فهو المهتدي عند الله ، ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ أي: ومن يخذله ولم يعصمه، ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ﴾ أي: أنصارا ، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: يسحبون عليها ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ، ويتصامون عن استماعه ، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما تقر به أعينهم ، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ، ولا ينطقون ما يقبل منهم ، ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ طفىء لهبها ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ توقدا.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٢٦
قوله : ﴿ وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ أي : لا يستطيع أحد أن يضلّه ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ﴾ أي : يمنعونهم من عذاب الله .
قال : ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ . قال بعضهم : هذا حشر إلى النار . قال الحسن : ﴿ عُمياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ عموا في النار حين دخلوها فلم يبصروا فيها شيئاً ، وهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها . ﴿ وَبُكْماً ﴾ أي : خرساً انقطع كلامهم حين قال : [ الله لهم ] ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ [ المؤمنون : 108 ] . وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع . ﴿ وَصُمّاً ﴾ أي : ذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلا يسمعون شيئاً . وقال في آية أخرى : ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ [ الأنبياء : 100 ] .
قوله : ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ . وخبّوها أنها تأكل كل شيء : الجلد واللحم والعظم ، والشعر والبشر والأحشاء حتى تهجم على الفؤاد ، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم ، فإذا انتهت إلى الفؤاد خبت ، أي : سكنت فلم تستعر بهم ، وتركت فؤادهم ينضج ، ثم يجدّد جلدهم فيعود ، فتأكلهم ، فلا يزالون كذلك . وهو قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ [ النساء : 56 ] . وقال مجاهد : ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ أي : كلما طفئت أسعرت .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٢٦
وليس من القول قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ ﴾ إلى الحق ﴿ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ إليه أو إلى ما يطلبه لقوله عز وجل : ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ ﴾ يخلق فيه الضلال باختياره لا إجباراً ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ يهدونهم إلى طريق الحق ، أو طريق يوصلهم إلى طريق الحق أو طريق يوصلهم إلى ما يصلح من الدنيا أو الدين ، أو طريق النجاة مما أوجبه ضلالهم .
﴿ مِنْ دُونِهِ ﴾ وكان من القول قوله ومن يهد الله إلخ لقال فلن أجد لكم ، بخلاف إذا جعل من يضلل غلخ غير داخل ، وفى فهو المهتد مراعاة لفظ من ، ومناسبة إفراد التوحيد وهو الهدى ، وفى لهم مراعاة معناها مناسبة لتشنيع طرف الضلال ، كما قال الله عز وجل : ﴿ ولا تتبعوا السُّبُل ﴾ إلخ والآية من مقابلة أفراد جمع بأَفراد جمع ، بمعنى لن تجد لواحد وليًّا ، وزعم بعض أن المعنى لا تجد لواحد واحد ، جماعة جماعة تنفعه لو وجد لواحد جماعة لم تنفعه ، فكيف ينفعه ولى واحد ، ولا ولى لواحج أو لا أولياء .
﴿ وَنَحْشُرُهُمْ ﴾ على طريق الالتفات من الغيبة فى قوله : ﴿ ومن يضلل ﴾ إِذا لم يدخل فى القول إلى التكلم فى نحشرهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ متعلق بحال محذوفة جوازاً أو من ضمير تحشر ، أى ساحبين ، أو من الهاء أى مسحوبين ، أو مفعول مطلق لتضمين نحشر معنى السحب ، أو الإمشاء أى سحبًا منَّا عليها ، أو إمشاء لهم عليها كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم؟ قال : « إن الذى أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم » رواه البخارى ومسلم عن أنس ، ومثله للترمذى عن أبى هريرة .
وروى الترمذى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف : صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم » ، فقيل : إِما أنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك ، ولم يجبه تلويحاً بأنهم أهل لذلك التعذيب بالحدب والشوك ، أو ردًّا عليه بأن الأرض يومئذ مستوية لا حدب ولا شجرة ، والله أعلم .
ولعل الاستواء وعدم السوك فى حق غيرهم . وعن أبى ذر فى هذه الآية عنه صلى الله عليه وسلم : « إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج : فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم » رواه أحمد والنسائى والحاكم ، وأخرج أحمد والنسائى والترمذى عن معاوية بن حيدرة عنه صلى الله عليه وسلم : « إنكم تحشرون رجالا وركبانًا وتجرون على وجوهكم » والخطاب للناس عموماً فالجر لكفارهم .
﴿ عُمْيًا ﴾ من قبورهم ﴿ وَبُكْمًا ﴾ لا يقدرون على الكلام ﴿ وَصُمًّا ﴾ لا يسمعون ، وإِذا وصلوا المحشر أبصروا وتكلموا وسمعوا ، كذا قيل ، وبشكل عليه قولهم :
﴿ مَن بعثنا من مرقدنا ﴾ فهذا تكلم فيجاب بأنهم إذا خرجوا تكلموا ، ثم يخرجون من عند القبور إِلى المحشر ، وكل من قوله تعالى : ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ و ﴿ سمعوا لها تغيُّظًا ﴾ و ﴿ تجادل عن نفسها ﴾ ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ ﴿ ويقرءون كتابهم ﴾ ونحو ذلك ، إنما هو فى المحشر ، أو المراد نحشرهم عميًا إلخ من المحشر إلى النار ، أو المراد حين يقال لهم : ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلِّمون ﴾ ، وعليه فالحال مقدرة أو المراد لا يبصرون ما يسرهم ، ولا يسمعون ما يلذهم ، ولا يتكلمون باعتذار مقبول كما لم يستبصروا فى الحياة بالآيات ، ولم يستمعوا لها ، ولم ينطقوا بالصدق .
والترتيب فى الآية لأن آفة السمع أشد من آفة البكم ، وآفة اللسان أشد من آفة البصر ، وآية سورة البقرة على التنزل ، ووسط البكم فيهما لأنه لازم للصمم ، فلا يفارقه فى الذكر ، والنصب على الحال عطفا عى الحال السابقة ، أو على الحال من الضمير فى مسحوبين على وجوههم المستتر أو فى كائنين إن قدر كونا عاما ، فيجب الحذف ، أى كائنين على وجوههم .
﴿ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ النار لقوله : ﴿ كُلّمَا خَبَتْ ﴾ سكن لهيبها ، والموضع لا يلتهب ، بل ناره أو جهنم الموضع وضمير خبت للنار المدلول عليها بالموضع ، أو أسند ذلك للموضع تجوُّزاً للحلول ، والمراد بخبت خبوها لإتيانها على كل لحومهم وعظامهم وأبعاضهم ولم تنقطع ، إذ لا يخفف عنهم العذاب تجدد أجسامهم قبل خبوها ، وجملة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ مستانفة أو حال من هاء نحشرهم ، لا من هاء وجوههم ، وكل ظرف لإضافته إلى مصدر نائب عن الزمان ، إذ ما مصدرية والمصدر الخبو ، كأنه قال كل خبوها أى كل وقت خبوها متعلق بقوله :
﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ مصدر أى سعرا أو لا يزال عذابهم يزداد شدة ، أو المراد بالزيادة الإتيان بمثل ما مضى ، وذلك كما كانوا يعقبون كل تذكير بإنكاره أو اسم مفعول ، أى ناراً مسعورة ، ولم يؤنث لظهور أن المراد المؤنث وهو فعيل بمعنى مفعول ، وإذا دل على الأنثى دليل قيل كحيل أو مكحولة ، كما تقول جاءت كحيل .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٢٦