سورة الكهف · الآية ١١٠ من ١١٠

‹ السورة السابقة
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱۖ فَمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ رَبِّهِۦ فَلۡیَعۡمَلۡ عَمَلࣰا صَٰلِحࣰا وَلَا یُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦۤ أَحَدَۢا١١٠
الرسم الإملائيّ

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا

الجزء ١٦الربع ١٢٢ صفحة ٣٠٤

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 110]

﴿قُلْ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: يوحى إلى أنه إله واحد ، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ﴾ فمن كان يأمل حسن لقاء ربه ، وأن يلقاه لقاء رضى وقبول ، أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه ، والمراد باللقاء : القدوم على جزاء الأعمال ، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصا ، لا يريد به إلا وجه ربه ، ولا يخلط به غيره ، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ نهى عن الشرك جليه وخفيه ، وعن الرياء . قال عليه الصلاة والسلام :" اتقوا الشرك الأصغر" قالوا:" وما الشرك الأصغر؟" قال:"الرياء".

وأرجو أنه يوجد عن أبي عبدالله محمد بن روح بن عربي أنه قال:" إن الشرك يتصرف على ثلاثة وجوه: فشرك جحود ، وشرك طاعة ، وشرك رياء . فأما شرك الجحود : فهو الإشراك بالله ، يعني: الذي يعدل به غيره ، فكل من جحد الله ، أو عبد معه إلها آخر ، ، وشك فيه ، أو شك في رسوله ، أو جحد بما جاء به ، فهو مشرك يلحقه اسم الشرك . وأما شرك الطاعة: فهو طاعة الشيطان ، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ ، فدخل عليهما في طاعة الشيطان والشرك ، من غير عبادة ، يعبد الشيطان من دون الله ، كذلك قوله:﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ، وقوله:﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، فعبادته هاهنا طاعة الشيطان ، فقد عبده من حيث لا يعلم ، وهذ الشرك شرك الرياء ، ويلحقه اسم النفاق ، ولا يلحقه اسم الجحود ، كذلك شرك الرياء إنما هو شرك يلحقه اسم النفاق ، ولا يلحقه اسم الجحود ، وهو قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ، فدخل عليه الشرك من حيث لا يعلم ، إذا أشرك في عبادة ربه غيره" انتهى كلامه . أحببت أن أنقل منه ما سألتنيه ، وقد حذفت منه طلبا للاختصار ، وسأكتبه على المعنى:" قال الغزالي: والإخلاص يضاده الإشراك ، فمن ليس مخلصا فهو مشرك ، إلا أن الشرك درجات ، والإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية".

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٥٠

[سورة الكهف — آية 110]

قوله : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ وذلك أن المشركين قالوا له : ﴿ مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ [ الشعراء : 154 ] فقال الله له : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ولكن يوحى إليّ ، وأنتم لا يوحى إليكم . ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ وهو الله ، لا إله إلا هو ولا معبود سواه . ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ أي : يخلص له العمل ، فإنه لا يقبل إلا ما أُخلِص له .

ذكروا أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني أقف المواقف أريد وجه الله ، وأحب أن يُرَى مكاني . فسكت النبي عليه السلام [ ولم يردّ عنه شيئاً ] فأنزل الله هذه الآية : ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٥٠

[سورة الكهف — آية 110]

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ لا أدرى إِلا ما علمنى ربِّى ، ويكون الشئ الكثير قليلا بالنسبة إلى غيره ، كما أن القليل كثير بالنسبة إلى ما دونه ، فلا تناقض بين الآيتين اللتين ذكرتهما .

﴿ يُوحَى إِلَىَّ ﴾ من تلك الكلمات اللاتى لا تنتهى ﴿ أَنَّمَا إلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ ﴾ والحصر الأول حصر موصوف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على صفة هى كونه بشراً مماثلا لهم ، قصر قلب تنزيلا لاقتراحهم منه ، ما لا يكون من بشر مثلهم منزلة من يدعى أنه غير بشر ، أو أنه بشر غير مماثل لهم ، أو قصر تعيين تنزيلا لهم لذلك منزلة من لا يدرى أنه بشر مثلهم ، والحصر الثانى حصر موصوف هو الله عز وجلّ على الصفة هى الألوهية ، قصر قلب تنزيلا لعدم إذعانهم إلى القرآن منزلة من يدعى عدم الألوهية وقصر إفراد تنزيلا لذلك منزلة مدعى تعدد الإله ، ولا بطلان لهذا ، لأن المعنى الرد على من يقول تنزيلاً إن الله إله ، وهذه آلهة أيضًا ، لا أن الواحد إلهان .

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو ﴾ يطمع فى حصول ما فيه مسرة فى المستقبل ﴿ لِقَاءَ رَبّهِ ﴾ لقاء ثواب ربه أو حسن لقائه أى حسن البعث ، أو لقاء ربه بخير منه عز وجل ، أو الرجاء الخوف ، أى فمن خاف لقاء ربه بشر منه عز وجل ، كقوله :

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها … وحالفها فى بيت نوب عوامل

﴿ فَلْيَعْمَلْ ﴾ لذلك الطمع ، لينال مطموعه ، أو لذلك الخوف لينجو من مخوفه ﴿ عَمَلاً صَالِحًا ﴾ ، ومن العمل ترك المعاصى لله تعالى ، فإنه عمل ، وهكذا فى غير هذه الآية حيث لم يذكر القوى ، أو نحوها مع الإيمان .

﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ ، كما تشرك عبدة الأصنام إياها مع الله ، وكما تشرك النصارى المسيح وأُمه مع الله ، وكما تشرك معه الشمس والقمر والنجوم عبدتها ، ويلتحق بذلك معنى لا حكماً .

مَن قال : صفات الله غيره قال ابن العربى : ليس بين من يقول صفات الله غيره ، ومن يقول : إن الله فقير إلا تزيين اللفظ ، ومن ذلك ترك العمل الصالح خوف أن ينسب إلى الرياء ، ومن ذلك الرياء وهو الشرك الأصغر ، وقد قيل : الآية فى الشرك الجلى كشرك قريش ، اليهود والنصارى ، وعبدة الأوثان أو غيرها ، كالملائكة والجن .

وعن ابن عباس : نزلت فى المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، فقيل لو كان كذلك لقدم النهى عن عبادة غير الله على الأمر بالعمل الصالح ، وأجيب بأنه قدم العمل الصالح تفريعًا على كونه إلهًا ، وأخر الشرك تفريعًا على كون الإله واحدا أو قيل : التفريع على مجموع ما تقدم ولا يدفع الإشكال بهذا إذ يقال : لم يقدم فى هذا التفريع على مجموع ما تقدم ولا يدفع الإشكال بهذا إذ يقال : لم يقدم فى هذا التفريع عن الشرك ، والأولى تفسيرها بالإشراك عمومًا الجلى والخفى ، ولو كان أكثر شيوعًا فى الجلى ، وهذا أعم فائدة ووعظًا ، لا مانع منه ، ولا يحسن تفسير ذلك بالرياء خاصة ، كما صنع سعيد بن جبير ، والحسن البصرى .

ويدل لذلك تقديم العمل الصالح لكن ما مانع من التعميم مع ذلك التقديم غايته تقديم ما هو الواجب على الموحد والمشرك ، فإنه مخاطب بالفروع كالأصول على الصحيح ، وقال جندب بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلعت عليه سرنى فقال : « إن الله تعالى لا يقبل ما شورك فيه » فنزلت الآية تصديقًا له صلى الله عليه وسلم فنقول : نزلت جوابًا له ، وزجراً للمشركين ، وإنما أجابه بذلك لعلمه أن جنديًا راءى فجعل نعله إشراكا وصدقته الآية ، وزادت بالعموم .

قال صلى الله عليه وسلم عن ربه : « أنا خير الشركاء من عملا عملا أشرك فيه غيرى فأنا برئ منه وهو الذى أشرك » رواه أحمد ومسلم عن أبى هريرة .

وفى إحياء الغزالى : من عقد عمله لله أولا على الإخلاص ، وحدث الرياء بعد تمامه ، لم يبطل عمله ، أو قبل تمامه بطل .

قلت : ينافيه أحاديث دلت على أنه يبطل ، ولو حدث بعد عمله كحديث جندب .

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن قال : يعجبنى الاطلاع على عملى : « لك أجران : أجر السر وأجر العلانية » وهذا محمول على أن الرجل أعجبه الظهور من حيث إنه يقتدى به فى العمل لا رياء .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٥٠