سورة الكهف · الآية ٦ من ١١٠

‹ السورة السابقة
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا٦
الرسم الإملائيّ

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا

الجزء ١٥الربع ١١٧ صفحة ٢٩٤

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 6]

﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ قاتل﴿نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: آثار الكفار ، شبهه وإياهم – حين تولوا عنه ، ولم يؤمنوا به ، وما بداخله من الأسف على توليهم – برجل فارقه أحبته ، فهو يتساقط حسرات على آثارهم ، ويبخع نفسه وجدا عليهم ، وتلهفا على فراقهم . وقال سهل بن عبدالله في هذه الآية – على ما يوجد عنه-:" لعلك مهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم ، وقد سبق من الحكم في إيمان المؤمنين ، وكفر الكافرين ، فلا تغيير ولا تبديل". وقال سهل أيضا:" لعلك شاغل نفسك عنا باشتغال لهم حرصا على إيمانهم ، ما عليك إلا البلاغ ، فلا يشغلك عنا(لعله) غيرنا ، (لعله) وهو كقوله:﴿ وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴾". فإذا كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمان أمته ، لم يرض الله منه ذلك الحرص ، لأن فيه ترك الرضا بالقضاء ، ورد المقدور ، فكيف يرضى من غيره الحرص على الدنيا

الدنيه، التي هي متاع الغرور ، ومعدن الشرور!. ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ مفعول له ، أي: لفرط الحزن . والأسف: المبالغة في الحزن والغضب.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٦

[سورة الكهف — آية 6]

قوله : ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ أي : قاتل نفسك في تفسير العامة ﴿ عَلَى ءَاثَارِهِمْ ﴾ أي : آسفاً ، أي : حزناً عليهم في تفسير مجاهد . ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ ﴾ أي : القرآن . ﴿ أَسَفاً ﴾ . قال بعضهم : غضباً . وهي مثل قوله : ﴿ فَلَمَّا ءَاسَفُونَا ﴾ [ الزخرف : 55 ] أي : أغضبونا . وقال مجاهد : أسفاً : أي : جزعاً .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٦

[سورة الكهف — آية 6]

﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ﴾ شبه الله سبحانه وتعالى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شدة الوجد على إعراضهم عن الإيمان ، أو كمال الحزن عليهم . بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه من أهل ، والفاء للتفريع على قوله : ﴿ إن يقولون إلا كذبًا ﴾ عاتبه الله على شدة حزنه ، حتى كاد يقتل نفسه لقولهم ذلك ، مع أنه قول كذب ، أو على قوله ﴿ كبرت ﴾ إلخ أو لمجرد الترتيب الذكرى ولا يجوز أ ن تكون الجملة جواب شرط ، والفاء رابطة ، لأن الصحيح أن جواب الشرط لا يتقدم ، ولو جاز تقدمه لورد تقم إن قام زيد ، بجزم تقم ، ولعدم وجوب قرن الجملة التى لا تصح شرطًا بالفاء إذا تقدمت نحو : قم إن قام زيد ، أو أنا قائم إن قمت ، وليست واردة بالفاء إلا باعتبار ما قبلها .

ولا أقبل قولهم أيضًا الجواب محذوف دل عليه ما قبله فى نحو : أقوم إن قام زيد ، وأنه الصواب أن يقال لا جواب له ، لأنه أغنى عنه ما قبله ، والمقدر فى ذلك لا يقصده المتكلم ، فكيف يقدره ، ومعنى باخع نفسك قاتلها ، والبخع القتل مطلقا لا ما قيل إنه القتل حزنًا ، وأنه لا يستعمل فى القتل بغير الحزن ، والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاجتماع عتبة بن ربيعة ، وأخيه شيبة بن ربيعة ، وأبى جهل ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب وأبى البحترى وأمثالهم من عظماء قريش ، على تكذيبه ، ولعل الترحم لما تقول : هى فى كلامنا للإشفاق والحث على ترك التحزن ، وأجاز الكوفيون أن تكون للاستفهام ، وهو توبيخ وإنكار ، قيل : هي هنا للنهى أى لا تبخع ، وعلى التعليل وآثارهم جمع أثر ، وهو ما قالوه كقوله تعالى : ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ أو الكلام استعارة تمثيلية ، بأن شبه ما يداخله من الوجد على كفرهم بمن فارقته عشيرته فتحسر بعدهم .

﴿ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ ﴾ القرآن ﴿ أَسَفًا ﴾ تعليل لقوله : « باخع » ولا حاجة إلى جعله حالا لاحتياجه إلى التأويل بأسفًا أو بذا أسف ، أو المبالغة كأنه نفس الأسف ، وقدر بعض تأسف والأسف الحزن والنضب معًا ، ويستعمل فى أحدهما أيضًا وحده ، والآية قابلة لذلك ، وفسرها قتادة رالنضب معًا ، ويستعمل فى أحدهما أيضًا وحده ، والآية قابلة لذلك ، وفسرها قتادة بالنضب ، وروى عنه بالحزن ، وفسره البخارى بالذم ، ومجاهد بالحزن ، ويقال إذا جاء التفسير عن مجاهد كفى قوة وجمعًا فى قوله تعالى ﴿ غضبان أسفًا ﴾ تأكيداً أو أسفًا بمعنى حزنًا ، أو غضبان على بعض أسفًا على بعض ، ومَن قدر على الانتقام غضب أو لم يقدر حزن .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٦