سورة مريم · الآية ٦٢ من ٩٨

‹ السورة السابقة
لَّا یَسۡمَعُونَ فِیهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمࣰاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِیهَا بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا٦٢
الرسم الإملائيّ

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا

الجزء ١٦الربع ١٢٤ صفحة ٣٠٩

تفسيرها

[سورة مريم — آية 62]

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي: وعدها إياهم وهي غائبة عنهم لم يروها ، أو وعدهم بإيمان الغيب. ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ فضول كلام ، ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة ، أو لتسليم الملائكة عليهم والسلام . ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وقيل: المراد: دوام الرزق ودروره.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣١٢

[سورة مريم — آية 62]

قوله : ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا ﴾ أي في الجنة ﴿ لَغْواً ﴾ قال بعضهم : كذباً . وقال بعضهم : باطلاً ، وقال بعضهم : معصية ، وهو نحو واحد . وقال بعضهم : حَلِفاً ، أي : إذا شربوا الخمر ، كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا .

قوله عز وجل : ﴿ إِلاَّ سَلاَماً ﴾ أي إلا خيراً . وقال بعضهم : يسلم بعضهم على بعض .

قوله عز وجل : ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ قال بعضهم : ولهم رزقهم فيها كل ساعة ، والبكرة والعشي ساعتان من الساعات ، وليس ثمَّ ليل ، وإنما هو ضوء ونور .

قال بعضهم : بلغنا أنه يعني ساعتي الغداء والعشاء ، وليس ثمّ بكرة ولا عشية ، قال : وبلغنا أنه إذا مضى ثلاث ساعات أتوا بغدائهم ، وإذا انقضت ثلاث ساعات أتوا بعشائهم . ومقدار النهار اثنتا عشرة ساعة في عدد نهار الدنيا .

ذكروا عن سعيد بن المسيّب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الجنة بيضاء تتلألأ ، وأهلها بيض ، لا ينام أهلها ، وليس فيها شمس ولا قمر ، ولا ليل يظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم » .

ذكر الحسن قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً ، فيقال له : انظر ما أعطاك الله . فيفسح له في بصره ، فينظر إلى مسيرة مائة سنة كله له . ليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت . فيها أزواجه وخدمه ، يغدى عليه كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب ، ويراح عليه بمثلها ، في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى؛ يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ، لو نزل به الجن والإنس في غداء واحد ، أو قال : في غداة واحدة ، لأوسعهم ، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده أسفل أهل الجنة منزلة الذي يسعى بين يديه سبعون ألف غلام ، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله ، يجد طعم أولها كله وآخرها ويجد لذة آخرها كطعم أولها لا يشبه بعضها بعضاً . ثم قال : ألا تسألوني عن أرفع أهل الجنة درجة؟ قالوا : بلى . قال : والذي نفسي بيده إن أرفع أهل الجنة درجة للذي يسعى عليه مائة ألف غلام ، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله ، ويجد طعم أولها كما يجد طعم آخرها ، لا يشبه بعضها بعضاً . وإن أدنى أهل الجنة منزلة للذي له مسيرة ألف سنة ، ينظر إلى أقصاها كما ينظر إلى أدناها ، وقصوره درة بيضاء وياقوتة حمراء ، مطردة فيها أنهارها ، وفيها ثمارها متدلية » .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣١٢

[سورة مريم — آية 62]

﴿ لا يسْمعُون فيها لغْواً ﴾ أى لا لغو فيها بسبب ولا بغيره ، إذ لو كان لسمعوه كنى عن نفى الملزوم بنفى لازمه ، أو عن نفى السبب بنفى المسبب ، واللغو كلام لا فائدة فيه فهو كلغو العصافير بالنظر الى سماعنا له ، وإلا ففى أصواتها كلام بعض لبعض وتسبيح ، فإذا نفى عن أهل الجنة كان ينبغى اجتنابه فى الدنيا .

﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل بمعنى إن كان فيها لغو فبالسلام والسلام لا يكون لغواً فهو نفى له بطريق البرهان فى تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … يهن فلول من قراع الكتائب

أو بمعنى أن السلام فيها لغو باعتبار أنه دعاء بالسلامة من الآفات ، مع أنه لا آفة فيها ، ولو كان القصد به التحاب ، وأنه حق مقصود أو منقطع ، أى لكن يسمعون سلام الملائكة عليهم ، أو سلام بعض على بعض ، أو كلاماً ذا سلامة من العيب ، أو سالما ، وقيل سلام الله يخلقه حيث شاء ، أو على لسان ملك .

﴿ ولهم رزْقُهم فيها بُكرةً وعشياً ﴾ أى فى كل وقت شاءوا ، فعبر بأطراف اليوم لا الوقتين ، ومن ذلك فى غير الزمان قولنا : اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ، نريد الصحابة مطلقاً ، والمراد كثرة الأرزاق بلا حساب ، وكانت للعرب أكلة واحدة ، ومن أصاب أكلتين سمى فلاناً الناعم ، فنزل اللفظ على رسم ما يرونه خصب عيش ، والمعنى أكثر ولا بكرة وعشياً فيها ، وجاء الأثر أنه يبين لهم مقدار الليل بإرخاء الستر وإغلاق الباب والنهار برفع الستر ، وفتح الباب فى ملك كل واحد ، لكن الرزق يعم البكرة والعشية وغيرهما ، أو فى الوقتين لا بد ، وفى غيرهما زيادة بحسب ما شاءوا .

قال رجل : يا رسول الله هل فى الجنة ليل فقال : « ما هيجك على هذا؟ » قال قوله تعالى : ﴿ ولهم رزقهم ﴾ الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا ليل بل ضوء الغدو والعشى يتواردان وتأتيهم طرف الهنايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة فى الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام » .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣١٢