سورة مريم
الجزء مريم · صفحة ٠﴿ لا يسْمعُون فيها لغْواً ﴾ أى لا لغو فيها بسبب ولا بغيره ، إذ لو كان لسمعوه كنى عن نفى الملزوم بنفى لازمه ، أو عن نفى السبب بنفى المسبب ، واللغو كلام لا فائدة فيه فهو كلغو العصافير بالنظر الى سماعنا له ، وإلا ففى أصواتها كلام بعض لبعض وتسبيح ، فإذا نفى عن أهل الجنة كان ينبغى اجتنابه فى الدنيا .
﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل بمعنى إن كان فيها لغو فبالسلام والسلام لا يكون لغواً فهو نفى له بطريق البرهان فى تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … يهن فلول من قراع الكتائب
أو بمعنى أن السلام فيها لغو باعتبار أنه دعاء بالسلامة من الآفات ، مع أنه لا آفة فيها ، ولو كان القصد به التحاب ، وأنه حق مقصود أو منقطع ، أى لكن يسمعون سلام الملائكة عليهم ، أو سلام بعض على بعض ، أو كلاماً ذا سلامة من العيب ، أو سالما ، وقيل سلام الله يخلقه حيث شاء ، أو على لسان ملك .
﴿ ولهم رزْقُهم فيها بُكرةً وعشياً ﴾ أى فى كل وقت شاءوا ، فعبر بأطراف اليوم لا الوقتين ، ومن ذلك فى غير الزمان قولنا : اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ، نريد الصحابة مطلقاً ، والمراد كثرة الأرزاق بلا حساب ، وكانت للعرب أكلة واحدة ، ومن أصاب أكلتين سمى فلاناً الناعم ، فنزل اللفظ على رسم ما يرونه خصب عيش ، والمعنى أكثر ولا بكرة وعشياً فيها ، وجاء الأثر أنه يبين لهم مقدار الليل بإرخاء الستر وإغلاق الباب والنهار برفع الستر ، وفتح الباب فى ملك كل واحد ، لكن الرزق يعم البكرة والعشية وغيرهما ، أو فى الوقتين لا بد ، وفى غيرهما زيادة بحسب ما شاءوا .
قال رجل : يا رسول الله هل فى الجنة ليل فقال : « ما هيجك على هذا؟ » قال قوله تعالى : ﴿ ولهم رزقهم ﴾ الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا ليل بل ضوء الغدو والعشى يتواردان وتأتيهم طرف الهنايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة فى الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام » .