سورة مريم · الآية ٧٥ من ٩٨

‹ السورة السابقة
قُلۡ مَن كَانَ فِی ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡیَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰۤ إِذَا رَأَوۡا۟ مَا یُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَیَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضۡعَفُ جُندࣰا٧٥
الرسم الإملائيّ

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا

الجزء ١٦الربع ١٢٤ صفحة ٣١٠

تفسيرها

[سورة مريم — آية 75]

﴿قُلْ : مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فيمده ، ويمهله بطول العمر والتمتع ، ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ﴾ يحتمل عذاب الموت بضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ، كما أخبر الله عنهم. ولأنهم يتعذبون بفوات العاجلة ، ويقدمون على الآخرة مفاليس بضد المؤمنين ، لأنهم يخرجون من سجنهم وخوفهم إلى فضائهم وأمنهم ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بقيامها عليهم ،﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند ذلك ، ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ منزلة أو منزلا من الفريقين ، بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه ، وعاد ما متعوا به خذلانا وبالا عليهم ﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ أي: فئة وأنصارا ، قابل به ﴿أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ، من حيث أن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم ، وظهور شوكتهم واستظهارهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢٥

[سورة مريم — آية 75]

قوله : ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ ﴾ أي : هذا الذي يموت على ضلالته ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً ﴾ [ هذا دعاء ] أي : مدّ له الرحمن مداً . أمر الله النبي عليه السلام أن يدعو بهذا . وقال مجاهد : فيدعه الرحمن في طغيانه .

قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ ﴾ في الدنيا قبل عذاب الآخرة ﴿ وَإِمَّا السَّاعَةَ ﴾ وإما عذابه في الآخرة ، وهو العذاب الأكبر . ولم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر أمته عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا . قال تعالى : ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرُّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ﴾ أي : في النصرة والمنعة . أي : ليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢٥

[سورة مريم — آية 75]

﴿ قُل ﴾ يا محمد للكفرة ﴿ من كان ﴾ بماله ودنياه ﴿ فى الضلالة ﴾ منكم ، أو من غيركم ممن يبتهج بالمال ﴿ فليَمْدد له الرَّحْمن مداً ﴾ فى ماله وعمره ، مع تمكنه فى الضلال ، أو لتمكنه فيه إخبار بصورة الأمر إشارة الى أن المد حكمة لقطع العذر كقوله تعالى : ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ فيكون أبعد فى العذر ، كما أنه أطال له المدة أو حكمة للاستدراج كقوله تعالى : ﴿ إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً ﴾ أى من عادته أن يمد له استدراجاً ، أو ذلك على طريق الدعاء لعدم بقاء عذر لهم مع البيان الكامل على طريقة ليضلوا عن سبيلك إذا حمل على الدعاء .

﴿ حتَّى إِذا رأوا ما يُوعَدُون ﴾ من أوعد بالهمزة المتعدية الى مفعول آخر محذوف رابط ، أى ما يوعدونه ، والواو أول ناب عن الفاعل ، ولا تجعل ما مصدرية ، لأن هذا المصدر يحتاج الى عنى ما الاسمية ، فيحمل الكلام عليه من أول والواو ، لمعنى من كما أن ضمير كان والهاء للفظها ﴿ إِمَّا العذابُ وإِمَّا السَّاعة ﴾ بدل من ما أو من الرابط ، أو من المقدر بواسطة العاطف فى الثانى ، وهو الواو وذلك لمنع الخلو ، لأن العذاب عذاب الدنيا باستيلاء المؤمنين بالقتل ونحوه ، أو غير ذلك كأنه قيل : إما عذاب الدنيا وإما عذاب الساعة ، فحذف المضاف لا لمنع الجمع ، لجواز أن يعذبوا دنيا وأخرى ، والساعة يَوم القيامة ، ولم يذكر عذاب القبر إيذاناً بأنه بالنسنة الى عذاب يوم القيامة ، كلا عذاب ، أو لأن الساعة بمعنى ذهابهم الى الآخرة ، فذلك من حين الموت الى مالا نهاية له إلا البرزخ ، أو لاعتبار القبر من الدنيا ، لأنه فى الدنيا ، وقيل قيام الساعة ، وليست حتى للغاية ، بل للتفريع ، وإن جعلت للغاية جارة كما قال ابن مالك ، أو نزل التفريع منزلة الغاية كان من تصل الغاية بالمغيا لوجود الفصل ، إلا أن الدنيا لسرعة انقضائها كلا فاصل ، فذلك كأحد أوجه فى قوله تعالى : « أغرقوا فأدخلوا نارا » .

﴿ فسيعلمون ﴾ جواب إذا ، وعلى قول ابن مالك لا جواب لها ، لأنها خارجة عنده عن الشرط والظرفية ، فالجملة تفريغ على مدخولها ﴿ مَنْ ﴾ مفعول بعلمون بمعنى يعرفون وهو موصول أو استفهامية مبتدأ لما بعده ، أو خبر له ، علقت يعلم عن مفعول بمعنى يعرف أو عن مفعوليه إن بقى على ظاهره ﴿ هُو ﴾ ﴿ مِن الفريقين شرٌّ مكاناً ﴾ عبر هنا بالمكان لا بالمقام مبالغة فى اظهار حالهم ﴿ وأضعف جُنْداً ﴾ أنصاراً يتبين لهم عكس ما يزعمون أنهم شر مكاناً ، وأضعف جنداً ، والمؤمنين خير مكاناً وأقوى جنداً ، والاسمان خارجان عن التفضيل ، لأنه لا شر للمؤمنين ولا ضعف البتة ولا جند البتة للكفرة يوم القيامة ، قال الله عز وجل :

﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً ﴾ وذلك رد عليهم فى دعواهم إن لهم إعانة مما يعبدونه من الأوثان أو غيرها ، وقد يعتبر أن للكفار يوم القيامة جنداً ضعيفاً يزعمونه فى الدنيا أنه جند ، أو يصفون أيضاً فى الآخرة أنه جند ينفع وهو أذل من ذلك ، وهو ما يعبدون ويكون هو ضمير فصل ، لأنه وقع بين معرفتين لأن شراً فى معنى أل أى من هو الأشر .

وأجاز بعض أن يكون قوله : ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ الخ راجعاً الى قولهم ، أى الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً ، وما بينهما معترض للإنكار عليهم ، أى يستمرون على قولهم ، أى الفريقين الخ ، حتى إذا عاينوا العذاب أو الساعة ، وهو بعيد لكثرة الفصل فى التلاوة ، وللفصل بموتهم عن يوم القيامة فى أحد الأوجه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٢٥