سورة البقرة · الآية ١٥٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَیۡءࣲ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِینَ١٥٥
الرسم الإملائيّ

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ

الجزء ٢الربع ٩ صفحة ٢٤

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 155]

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ ولنصيبنَّكم بذلك إصابة ، تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه أم لا ، ﴿ بِشَيْءٍ ﴾ بقليل من كلِّ واحدة من هذه البلايا وطرف منه ، وقُلّل ليؤذن أن كلَّ بلاء أصاب الإنسان – وإن جلَّ – ففوقه من يقل إليه [كذا] ، ويريهم أن رحمته معهم في كلِّ حال ؛ وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم عليها ، ﴿ مِّنَ الْخَوفْ ﴾ من خوف العدوِّ ، أو الله ، ﴿ وَالْجُوعِ ﴾ أي القحط ، أو صوم رمضان ، ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ ﴾ بذهبها بشيء من الآفات أو الزكاة ، ﴿ وَالأنفُسِ ﴾ بالقتل والموت ، أو بالمرض والشيب ، ﴿ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ وإهلاك ثمرات الحرث ، أو موت الأولاد الذين هم ثمرات الأكباد ، ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ على هذه البلايا ، والمسترجعين عند البلايا ، لأن الاسترجاع الحقيقي بتسليم وصبر وإذعان ، في الحديث << من استرجع عند المصيبة ، جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفا صالحا يرضاه >> . وطفئ سراج رسول الله  فقال : << إنا لله وإنا إليه راجعون >> فقيل : أمصيبة هي ؟ قال : << نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة >> .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦٢

[سورة البقرة — آية 155]

قوله : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ . نقص الأنفس : الموت .

ذكروا عن ابن مسعود أنه ذكر الدجال فقال : كيف أنتم والقوم آمنون وأنتم خائفون ، والقوم شِباع وأنت جِياع ، والقوم رواء وأنتم عطاش ، والقوم في الظِل وأنتم في الضِّحّ . [ أي حر الشمس ] .

ذكروا عن رجاء بن حيوة قال : سيأتي على الناس زمان لا تحمل فيه النخلة إلا تمرة واحدة؛ قال : ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ .

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ . وصلاة الله على العباد الرحمة . وقال بعضهم : صلاة الله على العباد الثناء والمدح والتزكية للأعمال ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ ، أي هُدوا للاسترجاع عند المصيبة . وقوله : ﴿ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ مثل قوله : ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ [ الأعراف : 157 ] وهو واحد ، وهي كلمة عربية وبعضهم يقول : الصلاة هاهنا المغفرة؛ وكل صحيح جائز .

ذكر عطاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ فليذكر مصيبته فيَّ فإنها أعظم المصائب » .

ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الصبر عند الصدمة الأولى . والعبرة لا يملكها أحد؛ صبابة المرء إلى أخيه » .

ذكر عبد الله بن خليفة قال : كنت أمشي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانقطع شسع نعله فاسترجع ، فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال : انقطع شسع نعلي ، فساءني ذلك ، وكل ما ساءك مصيبة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦٢

[سورة البقرة — آية 155]

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ عطف على استعينوا ، أو على ما عطف عليه استعينوا ، والمعنى ، لنُصِيبَنَّكُمْ إصابة كإصابة من تختبر حاله ، لنعلم أيصبر ويثبت على الطاعة أو لا ، والله لا يخفى عليه شىء ، فذلك استعارة تمثيلية ، والخطاب للمؤمنين عموما ، وقيل للصحابة ، وقيل لأهل مكة ﴿ بِشَىءٍ ﴾ قليل ، كما يفيده التنكير مع التبعيضية مع العرف فى لفظ شىء ، فإن كل ما أصابهم قليل بالنسبة إلى المصائب العظام ، وهم عالمون بأن ما لم يصبهم أعظم ، فيعلمون أن رحمة الله لم تفارقهم ، إذ هم معافون من المصائب التى فوق ذلك ، وأيضا يفرج الله عنهم أو يعوضهم ، وبالنسبة إلى ما يصيب الكفار فى الآخرة ، وذلك داع إلى الشكر ، ومن نعمته أنه أخبرهم بما يصيبهم قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم مع معرفتهم أن لهم عليه أجرا ، فيخف بما بعد ذلك ، ولو أصيبوا بمثله قبل الإخبار ﴿ مِّنَ الْخَوْفِ ﴾ خوف العدو ، وقيل ، خوف الله ، وفيه ، أن خوف الله لا يسميه الله بلاء واختباراً ، وهو أمر محمود ، لا يسعى باسم ينفِّر ويثقل ، وأما أن يعترض أنه للحال فلا ، لأن المضارع مع لام القسم للاستقبال ، وإن صح الحال فالمراد يستقبل من ذلك ﴿ وَالجُوعِ ﴾ القط والغلاء والفقر ، وفسره بعض القحط ، إقامة للمسبب ، وقيل للصوم ، وفيه ما مر من خوف الله ، بل دونه ، لأنه يقال ، يبتليكم الله بما يشق عليكم فتفعلونه ، لكن التفسير بغير الظاهر بلا داع بدعة لا تجوز ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ ﴾ بالهلاك للحيوان والشجر والنبات ، أو بالسرقة والكساد ، وقيل ، بالإنفاق نفلا ، أو زكاة ، وفيه ما مر ، من خوف الله ، وأيضاً فى تسميتها نقصاً من الأموال تنفير ولو صح أن ما يعطى من المال نقص من عدده .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : « ما نقص مال من صدقة » ، أى لها ، أى يخلفه الله عدداً ، أو كمالا بالبركة ، فيقوم الباقى مقام نفسه ومقام ما خرج وأكثر ، مع ثواب الآخرة ﴿ وَالْأَنْفُسِ ﴾ أنفس الأحبة ومن يعز على الرجل هلاكه ، وذلك بالقتل والموت والأمراض ، وذهاب منافع البدن بذهاب قواه ، كالصمم والعمى والعرج ، فذلك نقص من صحة الأنفس ﴿ وَالثَّمَرَتِ ﴾ من الشجر والنبات والحرث بالحوائج من رحي وحر وبرد ، ونقص ماء ونحو ذلكن وخصت مع أنها من الأموال لأنها قد لا تملك كثمار الأرض التى لا يملكها أحد ، وقيل ، الأولاد لأنهم ثمرة آبائهم وأمهاتهم ، بأن يموتوا أو يصابوا فى أبدانهم ، ومن الثمرات بمعنى الأولاد الحديث ، إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة ، أقبضتم ولد عبدى؟ فيقولون ، نعمن فيقول : أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون ، نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدى؟ فيقولون ، حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى ، ابنوا لعبدى بيتاً فى الجنة ، وسموه بيت الحمد ، أى لأنه سببه الحمد ، لكن ليس كل ما جاء فى الحديث يفسر القرآن به ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ بالصلوات من الله والرحمة والخلف والثواب العظيم ، ولا حاجة إلى تقدير بعضهم ، أنذر الجازعين ، لأنه معلوم بلا تقدير ، ولا داعى إلى تقديره ﴿ الصَّبِرِينَ ﴾ من المؤمنين ، لأن صبر الكافرين لا ينفعهم فى الآخرة ، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يصلح للتبشير ، وهكذا فى مثل الآية ، بحسب الإمكان ولو لم أذكره .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦٢