وَمَثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِی یَنۡعِقُ بِمَا لَا یَسۡمَعُ إِلَّا دُعَاۤءࣰ وَنِدَاۤءࣰۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡیࣱ فَهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ١٧١
الرسم الإملائيّ
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
الجزء ٢الربع ١٠ صفحة ٢٦
تفسيرها
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي : ومثل داعي الذين كفروا ، ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ﴾ يصيح ، ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء ﴾ والمعنى أنهم لا يسمعون من الدعاء إلاَّ جرس النغمة ودويِّ الصوت ، من غير إصغاء أذهان ولا استبصار ، كالبهائم التي لا تسمع إلاَّ نداء الناعق ونداء الذي هو تصويت لها وزجر لها ، ولا تفقه شيئا آخر كما يفهم العقلاء ؛ والنعيق : التصويت ، يقال : نعق المؤذن ونعق الراعي بالضَّأن ؛ والنداء : ما يُسمع ، والدعاء قد يُسمع وقد لا يُسمع . ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ عن الحقِّ ، ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ الموعظة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٧٨
قوله : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فيما يدعوهم إليه النبي ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ أي مثلهم كمثل الراعي الذي يصيح بالبعير والشاة . وقال الحسن : كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم فترفع رؤوسها لا تدري ما يقول . ثم تضع رؤوسها . قال : فكذلك هم إذا دعوا إلى الهدى . وقال مجاهد : هو دعاء النعق بآلهتهم .
قوله : ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ . قال : صمّ عن الحق . أي : عن الهدى فلا يسمعونه ، وبكم عنه فلا ينطقون به وعمي عنه فلا يبصرونه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٧٨
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من اليهود والنصارى وغيرهم ومشركى العرب والذين يدعونهم إلى الإيمان النبى والمؤمنين ، أى مثل الكافرين مع المؤمنين كمثل الغنم مع راعيها ، كما قال ﴿ كَمَثَل الَّذِى يَنْعِقُ ﴾ يصوت من رعاة الغنم عليها ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ أى على ما لا يسمع ، وهو الغنم ﴿ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَاءً ﴾ صوتا بلا فهم لمعناه ، لما صاح بها لتمشى أو تقف ، ولو فهمت منه على الاعتياد أنها تقف أو تمشى ، وأيضاً هذا الفهم ليس فهما لوضع الصوت لمعناه ، بل فهما لتوسط ضربها أولا بالحجر لتقف أو تمشى ، وإنما قدرت مع الذين يدعونهم إلى الإيمان بلفظ مع لا بالواو ليناسب قوله كمثل الذى الخ ، من المتقدم فيه الراعى ، كذلك فإن مع أصلها أن تدخل على الراجح المصحوب ، فالراجح المصحوت هو النبى والمؤمنون ، أو يقدر ، ومثل داعى الذين كفروا للإيمان كمثل الذى ينعق ، أو يقدر مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذى ينعق . وعلى كل حال فالنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يدعون الكفار إلى الإيمان ولا يعرفون المقصود ، لانهما كهم فى التقليد وكونهم أميين ، وإعراضهم تجاهلا ، كما يصيح الراعى على غنمه ، ولا تفهم حكمة موضوع الصوت ، ولو وقفت به أو مشت فهم أضل منهما إذ تمتثل ولا يمتثلون ، أو المعنى مثل الذين كفروا فى دعاء الأصنام كمثل الناعق فى غنمه ، بل الناعق فوقهم ، لأن الغنم تسمع وتحس بحلاف الأصنام ، والدعاء والنداء مترادفان فيما قيل ، فلعله كرر تأكيداً كأنه قيل أصواتاً كثيرة ، أو الدعاء ما يدل على معنى امشى ، أو قفى ، أو اشربى أو كلى ، أو نحو ذلك ، من فعل ، أو اسم فعل أو اسم ، صوت ، والنداء ما يزاد على ذلك ، كها ، وياء مما يتلفظ به فى البهائم ، ويبعد ما قيل إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد ، كقول الأعرابى : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ، لأن النداء يكون أيضاً للقريب ، كما ينادى بالهمزة وأى للقريب ، وقيل الدعاء ما يسمع ، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ، ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ هم صم ، بكم ، عمى ، أى لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ولا يرونه ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ الموعظة والأحكام الشرعية ، أى لا يدركونها ، وليس المراد نفى عقل التكليف على سبيل تنزيل وجوده منزلة العدم ، ولفقد ثمرته ، لأنه لا يصح ترتبه بالفاء ، كذا قيل ، وفيه أنه لا مانع من أن يقال هم صم بكم عمى لا يدركون ، فهم لذلك كمن لا عقل له كالمجنون .
افتحه في القارئ · صفحة ١٧٨