تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 171]

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من اليهود والنصارى وغيرهم ومشركى العرب والذين يدعونهم إلى الإيمان النبى والمؤمنين ، أى مثل الكافرين مع المؤمنين كمثل الغنم مع راعيها ، كما قال ﴿ كَمَثَل الَّذِى يَنْعِقُ ﴾ يصوت من رعاة الغنم عليها ﴿ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ أى على ما لا يسمع ، وهو الغنم ﴿ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَاءً ﴾ صوتا بلا فهم لمعناه ، لما صاح بها لتمشى أو تقف ، ولو فهمت منه على الاعتياد أنها تقف أو تمشى ، وأيضاً هذا الفهم ليس فهما لوضع الصوت لمعناه ، بل فهما لتوسط ضربها أولا بالحجر لتقف أو تمشى ، وإنما قدرت مع الذين يدعونهم إلى الإيمان بلفظ مع لا بالواو ليناسب قوله كمثل الذى الخ ، من المتقدم فيه الراعى ، كذلك فإن مع أصلها أن تدخل على الراجح المصحوب ، فالراجح المصحوت هو النبى والمؤمنون ، أو يقدر ، ومثل داعى الذين كفروا للإيمان كمثل الذى ينعق ، أو يقدر مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذى ينعق . وعلى كل حال فالنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يدعون الكفار إلى الإيمان ولا يعرفون المقصود ، لانهما كهم فى التقليد وكونهم أميين ، وإعراضهم تجاهلا ، كما يصيح الراعى على غنمه ، ولا تفهم حكمة موضوع الصوت ، ولو وقفت به أو مشت فهم أضل منهما إذ تمتثل ولا يمتثلون ، أو المعنى مثل الذين كفروا فى دعاء الأصنام كمثل الناعق فى غنمه ، بل الناعق فوقهم ، لأن الغنم تسمع وتحس بحلاف الأصنام ، والدعاء والنداء مترادفان فيما قيل ، فلعله كرر تأكيداً كأنه قيل أصواتاً كثيرة ، أو الدعاء ما يدل على معنى امشى ، أو قفى ، أو اشربى أو كلى ، أو نحو ذلك ، من فعل ، أو اسم فعل أو اسم ، صوت ، والنداء ما يزاد على ذلك ، كها ، وياء مما يتلفظ به فى البهائم ، ويبعد ما قيل إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد ، كقول الأعرابى : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ، لأن النداء يكون أيضاً للقريب ، كما ينادى بالهمزة وأى للقريب ، وقيل الدعاء ما يسمع ، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ، ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ هم صم ، بكم ، عمى ، أى لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ولا يرونه ﴿ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ الموعظة والأحكام الشرعية ، أى لا يدركونها ، وليس المراد نفى عقل التكليف على سبيل تنزيل وجوده منزلة العدم ، ولفقد ثمرته ، لأنه لا يصح ترتبه بالفاء ، كذا قيل ، وفيه أنه لا مانع من أن يقال هم صم بكم عمى لا يدركون ، فهم لذلك كمن لا عقل له كالمجنون .

١٧٨ / ٦٬٢٣٦