سورة البقرة · الآية ١٨٠ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
كُتِبَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَیۡرًا ٱلۡوَصِیَّةُ لِلۡوَٰلِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِینَ١٨٠
الرسم الإملائيّ

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ

الجزء ٢الربع ١١ صفحة ٢٧

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 180]

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ أي : إذا دنا منه ظهرت أماراته ، ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ﴾ مالا كثيرا ، وسمَّي خيرا لأنَّه يُعين على الوصول إلى دار الخير وهي الجنة ، كما سمِّيت نعمة الدنيا نعمة لأنها توصل إلى النعمة الأبديِّة . ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (لعله) أي : الشيء الذي يعرف العقلاء أنه لا جور فيه ولا حيف ، ﴿ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي : حقُّ ذلك على أهل التقوى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٧

[سورة البقرة — آية 180]

قوله : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ ﴾ . يعني بالخير المال؛ أي : إن ترك مالاً .

وكان بعضهم يقول : الخير ألف فما فوق ذلك . فأمر الله في هذه الآية أن يوصي لوالديه وأقربيه ، ثم نسخ ذلك في سورة النساء بقوله : ﴿ وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ ﴾ [ النساء : 11 ] وجعل لكل ذي ميراث نصيبَه من الميراث وصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب .

قال الحسن : نسخ منها الوالدان ومن كانت له قرابة ممن يرث ، وصارت الوصية لأقربيه الذين لا يرثون؛ ولم تكن عنده منسوخة . قال [ بعضهم ] : والعامة من الفقهاء على أنها منسوخة .

ذكروا أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده في مرضه ، فأراد أن يوصي ، فقال له علي : إنما قال الله : ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ﴾ وأنت مقلٌّ لا مال لك .

ذكروا عن ابن عمر أنه قال : ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٧

[سورة البقرة — آية 180]

﴿ كُتِبَ ﴾ نائب فاعله الوصية ، وذكر للفصل ، ولمعنى لإيصاء ، كما قال السعد : الأصل التأنيث ، ولو كان غير حقيقى ، ويختار إلا لداع ، كالفصل فى غير الحقيقى هنا ، قال الرضى ، زاعماً أن ذلك لإظهار فضل الحقيقى على غيره ، وهو تعليل لا يرضى ، كيف يقال اختار الله عز وجل التذكير ليعلمنا بفضل الحقيقى على المجازى ﴿ عَليْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ أى أسبابه بحسب الظن ، وإلا فلا يدرى أحد أنه يموت فى ذلك الوقت ولو اشتد ضره ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْراً ﴾ مالا قليلاً أو كثيراً ، بأن يكون له ربع دينا زيادة على ديون الخالق ، والمخلوق ، والأنسب أنه إن قل ماله عن ذلك أوصى ولو بأقل من ربع دينا ، وذكره بلفظ خير تلويحا بأن الوصية من طيب المال حلالا وجودة ، ويجزى ما دون الجيد إلا أنه لا يحسن ، وقد استعمل الخير فى المال مطلقا ، كقوله تعالى : ﴿ وَإِنه لحب الخير لشديد ﴾ وفى المال الحلال كقوله تعالى : ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِن خير ﴾ وقالت عائشة وعلى : الخير المال الكثير ، والكثرة والقلة بالنسبة إلى الموصى وحاله ، رجلاً أو امرأة ، ككثرة حاجاته ، وكثرة الوارثين ، أراد رجل أن يوصى فسألته كم مالك؟ فقال ثلاثة آلاف درهم؟ فقالت : كم عيالك؟ فقال أربعة فقالت إنما قال الله إن ترك خيراً ، وأن هذا يسير فأتركه لعيالك ، ولا شك أنه كثير فى نفسه ، لكن قلته بالنسبة لعياله ، وكذا سأل عليا مولى له الوصية عند احتضاره ، وله سبعمائة درهم ، قيل أو ستمائه فمنعه لكونه ذا عيال ، وقال إن الله تعالى قال ، إن ترك خيراً ، والخير هو المال الكثير ، ولا شك أن سبعمائة درهم كثير فى ذاتها إلا أنها قليل بالنسبة ، وعن ابن عباس من لم يترك ستمائة دينار لم يترك خيراً ، أو الخير فى العرف العام المال الكثير ، كما لا يقال ذو مال إلا إن كان كثيراً ، وإن أوصى من قبل وعند حضور الموت نقص عما تجب الوصية معه فله إسقاط ما أوصى به للأقرب ، والتقييد بالقلة والكثرة إنما هو بالنظر إلى وصية الأقرب الباقية بلا نسخ ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ كالإخوة والأخوات ، والأعمام ، والأجداد والجدات ، والأخوال ثم نسخ بآية الإرث ، وحديث لا وصية لوارث ، إلا أن يشاء الورثة ، قال فى حجة الوداع إذ خطب فيها ، إن الله تعال قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث ، وروى أنه خطب على راحلته وقال : إن الله تعالى قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث ، فلا تجوز لوارث وصية ، ولا عبرة بإجازة الورثة إذا كان ما أوصى به لوارث لا يرجع إليهم إن ردوه كالوصية لوارث بالكفارة أو بشاة الأعضاء أو نحو ذلك ، وإن كان فيه عمل كالحج والقراءة فى موضع فقد يجوز ، ومن وقف مع الحديث عموما منعه ، وإن أوصى لوارث بحق له عليه جاز إجماعا مع انتفاء الريبة ، مثل أن يوصى بأرش ضربة ضربه إياها ، أو بمال له أكله منه بلا رضى ، وخرج من الكل على أنه متواتر ، وإلا فالناسخ آيات الإرث ، والحديث مبين للنسخ بهن ، وبقيت الوصية للأقارب الذين لا يرثون من جهة الأب ومن جهة الأم على ترتيب فذكره فى الفقه ، قيل المراد بالأقارب ما يشتمل المشركين ، تأليفا للناس ورعاية لحق القرابة أول الإسلام ، ولما كثير الإسلام شرع الإرث ونسخ الوصية للوارث ، وثبت أن الكافر لا يرث الموحد أو هذه الآية هى الميراث بحسب ما يريد الموصى ، ثم نسخ رد التفصيل إليه بالتفصيل فى آيات الإرث ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ بأن ينوى إنقاذ حكم الله والتقرب إلى الله ، لا الحمية ، أو الفخر أو الرياء ، أو غرضا من أغرضا الدنيا ، وبأن يكون من الثلث ، ولا يفضل الغنى لغناه ، وله تفضيل الفقير ، وأن لا يكون فوق الثلث ، هذا الأخير ، على أن هذه الآية لم تنسخ بالإرث ، بل بينتها آية الإرث ، وبقيت وصية الأقرب غير الوارث ، وأن يكون جزاء على معصية ﴿ حَقّاً ﴾ حق ذلك حقا ، ولا شك أن ما كتبه الله على العباد حق ، فهو مصدر مؤكد للجملة ﴿ عَلَى المُتَّقِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٧