سورة البقرة · الآية ٢٠٤ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ٢٠٤
الرسم الإملائيّ

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ

الجزء ٢الربع ١٣ صفحة ٣٢

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 204]

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ ﴾ يروقك ويعظم في قلبك ، ومنه " الشيء العجيب " الذي يعظم في النفس ، ﴿ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بلسان مقاله ، أو بلسان حاله ، والآية في المنافقين . ﴿ وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ يحلف ويقول : الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام ، أو يشهد الله بِعَمَله الذي هو خلاف قوله أو اعتقاده بقلبه ، ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ شديد الجدال والعداوة للمسلمين ، والخصام : المخاصمة ، ويشهد عليه بذلك لسان حاله ؛ ويشهد عليه بذلك قوله : ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى ﴾ عنك وذهب بعد إِلاَنَة القول ، ﴿ سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ الزرع والحيوان ، أو إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ؛ وقيل يظهِر الظلم حتى يمنع الله بشؤمِ ظلمِه القطر فيهلك الحرث والنسل . ﴿ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢١١

[سورة البقرة — آية 204]

قوله : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وهو المنافق الذي يقر بالإِيمان ولا يعمل بالفرائض . ﴿ وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ أي : من ترك الوفاء بما أقر لله به . ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ . أي كذاب . إذ لم يوف لله بما أقر به إذ لم يعمل بفرائضه . وهو كقوله : ﴿ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ [ مريم : 97 ] أي : ذوي خصومة ولَدَدٍ . وقال مجاهد : ألدُّ الخصام : ظالم .

وقال الحسن : قول المنافقين في هذا كقوله : ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى ﴾ [ التوبة : 107 ] و ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [ النساء : 62-63 ] من ترك الوفاء بالعمل الذي أقروا به .

وقال بعضهم : ﴿ وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ يقول : يشهد العباد على ما في قلبه . قال : فلولا أن الله بعث عليه دليلاً من عمله ما عرفه الناس ، ولكن الله عرّفه للمؤمنين بعمله ، عمل السوء . وقال في تأويل ألد الخصام أي : إنه شديد الخصومة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل .

افتحه في القارئ · صفحة ٢١١

[سورة البقرة — آية 204]

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبْكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ﴾ أى يعجبك ما ينطق به فى شأن أمور الدنيا من حرب ، وصلح ، وكسب ، وعفو ، أو لأجل الدنيا ، بأن يظهر الإيمان والحب ليتوصل إلى ما يحب من لذات الدنيا ، أو يعجبك فى الدنيا كلامه حلاوة وفصاحة ، وأما فى الآخرة فلا كلام له ألبتة تارة ، ولا يؤذن لهم ، فيعتذرون وإذا تكلموا تارة فكلام دهشة لا فصاحة ، ولا يعجبك فى الآخرة لأنه لا نفع له به ، والخطاب له صلى الله عليه وسلم ، أو لمن يصلح له مطلقا ، ومثل ذلك قوله تعالى عز وجل ﴿ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ﴾ ويعجبك الخ . يحدث قوله فى قلبك عجبا ، والعجب حيرة تعرض بسبب الجهل بما تعجب منه وقد يستعمل العجب فى حيرة تعرض مع العلم بالسبب ، والعجب هنا عبارة عما يلزم من عظمة الإنسان فى قلب غيره ، وفى متعلق بيعجبك أو بقوله على ما رأيت ، من التفسير ﴿ وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ ﴾ يستشهده أو يجعله شاهداً على أن قلبه مواطىء لقوله فى الإيمان وهو كاذب فى دعواه ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ شديد الخصومة وهو صفة مشبهة فيما قيل ، وشهر ، واحتج له بورود مؤنثه على فعلاء كحمراء إن صح ، والراجح أنه اسم تفضيل باق أو خارج عنه ، لأن الصفة المشبهة التى على وزن أفعل تختص بالألوان والعيوب ونحوها ، ولا يصح أن يقال فى أعلم وأفضل إنهما صفتان مشبهتان ، وهو قول الخليل والزجاج ، وإضافة اسم التفضيل لفاعله معنى جائزة ، ويجوز تقدير ، وهو ألد ذوى الخصام ، أو خصامه ألد الخصام ، أو الضمير للخصام ، وهو ضعيف ، أو الخصام جمع خصام كصعب وصعاب ، أى أشد من كل من يخاصم ، وهو يخاصم المسلمين خصاماً شديداً أعظم من يخاصمهم فى الخصام ، والشديد الخصام أو صاحبه ، فيقدر فى ، أى ألد الخصام ، والآية فى المنافقين كقوله تعالى : « وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم » وكانوا حسنى المنظر ، والكلام فى الإسلام والتحبب إلى أهله ، فذكر الله حسن كلامهم وحسن أجسادهم هنالك ، والإفراد للجنس ، ولفظ من ، والمشهور الأخنس بن شريق وكان منهم كذلك ، وزعم بعضهم أنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه ، ويعارضه قوله فحسبه جهنم ، واسمه أُبىّ ، ولقب الأخنس ، لأنه خنس بقومه أى تأخر عنه صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة رجل بعد خروجهم لبدر ، وقال إن كان غالبا فهو ابن أختكم وأنتم أسعد به ، وإن غلب كفيتموه ، وكان يحلف بالله أنه مؤمن محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة وأظهر له الإسلام ، وأعجب النبى صلى الله عليه وسلم ذلك منه ، وقال إنما جئت أريد الإسلام والله تعالى يعلم أنى لصادق ، فكان صلى الله عليه وسلم يدينه إليه فى المجلس فكذبه الله وفضحه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢١١