سورة البقرة · الآية ٢٦٧ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّاۤ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَیَمَّمُوا۟ ٱلۡخَبِیثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِءَاخِذِیهِ إِلَّاۤ أَن تُغۡمِضُوا۟ فِیهِۚ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ حَمِیدٌ٢٦٧
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ

الجزء ٣الربع ١٨ صفحة ٤٥

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 267]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ من خيار مكسوباتكم ، ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ ﴾ ولا تقصدوا المال الرديء ﴿ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ تخصُّونه بالأنفاق ﴿ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ ﴾ أي : << لا تنفقوا في فرض ربِّك خبثَا ، فإنك لو أردت شراءه لم تأخذه حتى تحطَّ من ثمنه >> من القاموس نقلا ، لا تأخذونه في حقوقكم ، ﴿ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ إلاَّ أن تتسامحوا في أخذه ، وتترخصوا فيه ، من قولك : أغمض فلان عن بعض حقه ، إذا غض بصره قيل : كانون يتصدقون بحشف التمر ، وشراره فنهوا عنه ، ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ ﴾ عن صدقاتكم ،

﴿ حَمِيدٌ ﴾ مستحق للحمد .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٧٤

[سورة البقرة — آية 267]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ . قال الحسن : هذا في النفقة الواجبة؛ كانوا يتصدّقون بأردإ درهمهم ، وأردإ فضتهم ، وأردإ طعامهم ، فنهاهم الله عن ذلك فقال : ولا تيمّموا [ يعني ولا تقصدوا ] الخبيث ، وهو الرديء ، منه تنفقون . أي : منه تزكون .

وقال مجاهد : ﴿ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ . أي من التجارة .

قال : ﴿ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ يقول : ولستم بآخذي هذا الرديء بثمن هذا الجيّد إلاَ أن يُهضَم لكم منه .

قال بعضهم : كان الرجل يكون له حائطان عل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى أردئهما ، فيتصدق به ، ويخلطه بالحشف ، فنهاهم الله عن ذلك . قال : ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ ؛ أي : ولستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يهضم لكم منه . قال الحسن : فكما لا يستوي عندكم هذا الجيّد والرديء فكذلك لا يستوي عند الله في الآخرة .

وقال الكلبي : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ، قال : لو كان لبعضكم على بعض حق فأعطِيَ دون حقه لم يأخذه منه إلا أن يرى أنه قد تغامض له عن بعض حقه ، وكذلك الله ، إلا أن يتراحم عليكم ، لا تستكملون به الأجر له ، إلا أن يتغمّدكم الله برحمته .

وقال مجاهد : إلا أن تغمضوا فيه : إلا أن تأخذوه من غرمائكم بزيادة على الطيّب في الكيل .

قوله : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي غني عما عندكم لمن بخل بصدقته ، حميد لمن احتسب بصدقته .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٧٤

[سورة البقرة — آية 267]

﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ ﴾ أدوا الزكاة ﴿ مِن طَيِّبَتِ ﴾ جودة وحلا ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ من الذهب والفضة وعروض التجارة وأصول التجارة والأنعام الثمانية ، والإيمان شامل للأعمال الصالحة عندنا ، وهكذا إذا لم يذكر العمل الصالح ﴿ وَمِمَّآ ﴾ أى ومن طيبات ما ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ ﴾ من الحبوب الستة ، وقيل ، والفول والعدس والتين والزيتون ، ونحو ذلك مما بلغ نصابا ، وأبحاث ذلك فى الفروع ، وأخطا أبو حنيفة إذ أوجبها فى كل ما أنبتت ولو بقولا وبطيخاً ولو قليلا ، وما أخرج الله من الأرض هو من جملة ما يكسب ، وخصه بالذكر لأن التفاوت فيه كثير ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ﴾ أصله ، تتيمموا ، حذفت إحدى التاءين ، أى تقصدوا ﴿ الْخَبِيثَ ﴾ رداءة ﴿ مِنْهُ ﴾ من الخبيث حال كونكم ﴿ تُنْفِقُونَ ﴾ حال ، أى مقدرين الإنفاق منه ، ومن تتعلق بتنفقون ، أو يتعلق بمحذوف حال من الخبيث ، فتكون الهاء لما ذكر من طيبات ما كسبوا وما أخرج الله من الأرض ، أو للمال الذى فى ضمن القسمين ، أو لما أخرجنا ، وخصه بالذكر ، لأن الرداءة فيه أكثر ، وكذا الحرمة ، لتفاوت أصنافه ومجالبه ﴿ وَلَسْتُمْ بِئَاخِذِيهِ ﴾ تنفقون منه ، والحال أنكم لستم بآخذيه فى حقوقكم ، كدين وصداق وأرش لرداءته فأولى ألا ينفق لحرمته ، لمنع الشرع من التصرف فى المال الحرام إلا بأدائه لصاحبه ، أو للفقراء ، أو إصلاحه من فساد مع توبة وضمان ﴿ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ ﴾ بأن تغمضوا ، أو إغماضاً ، أى وقت إغماض على حذف مضاف ، لا بالنصب على الظرفية ، لأن شرطه التصريح بالمصدر ، أو وجود ما المصدرية ﴿ فِيهِ ﴾ فى شأنه بالقبول من أغمض بمعنى غمض ، أى غض بصره ، استعير للمسامحة بقبوله مع رداءته ، كمن لم ير بعينه عيباً ، وهو متعد حذف مفعوله كما رأيت ، وقيل ، لازم ، ومعناه ، تساهلتم فى شأنه وتغافلتم ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِىٌّ ﴾ عن نفقاتكم ، فتحروا فيها الطيب ، لعود نفعها إليكم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ كثير الحمد ، أو عظيمه ، أى الشكر ، أى الجزاء على الطاعة ، ومنه قبول الجيد والإثابة عليه ، أو محمود على آلائه ، ومن الحمد عليها إنفاق الجيد ، كانوا يتصدقون بحشف التمر ورديئه ويمسكون جيده ، فنهوا عن ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٧٤