سورة البقرة · الآية ٤٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِینَ٤٥
الرسم الإملائيّ

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ

الجزء ١الربع ٣ صفحة ٧

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 45]

﴿ وَاسْتَعِينُوا ﴾ على حوائجكم إلى الله ، ﴿ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ﴾ أي الجمع بينهما ، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة ، متحملين لمشاقَّها ، وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوسواس الشيطانيَّة النفسانيَّة ، ومراعاة الأدب والخشوع ، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبَّار السماوات والأرض ؛ أو واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها ، والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها ؛ وكان رسول الله  إذا أحزبه أمر فزع إلى الصلاة . وقيل : الصبر الصوم ، لأنه حبس عن المفطرات ؛ وقيل : الصلاة الدعاء ، أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء ، والابتهال إلى الله في دفعه ، والتضرُّعِ ، ولأن الصوم يزهِّده في الدنيا ، والصلاة ترغَّبه على الآخرة ، . ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ لشاقَّة ثقيلة ، ﴿ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ يعني المؤمنين المتواضعين ، وأصل الخشوع : السكون ، فالخاشع ساكن إلى طاعة الله ، لأنهم يتوقَّعون ما ادَّخر للصابرين على متاعبها ، فتهون عليهم ، ألا ترى قوله : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ ﴾ أي يتوقَّعون لقاء ثوابه ، ونيل ما عنده إن امتثلوا ، ويخافون عقابه إن خالفوا أمره ، وأمَّا من لم يوقن بالجزاء ولم يرجُ الثواب كانت عليه مشقَّة ، والخشوع الإخبات ، وأمَّا الخضوع فاللين والانقياد . ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ مجازون على أعمالهم كيف كانت .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢

[سورة البقرة — آية 45]

قوله : ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ﴾ . قال الحسن : استعينوا بالصبر على الصلاة وعلى الدين كله ، فخص الصلاة [ لمكانها ] من الدين . وقال بعضهم : الصبر هاهنا الصوم . وقال بعضهم : استعينوا على الدنيا بالصبر والصلاة .

قوله : ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي : لثقيلة ، يعني الصلاة . ﴿ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ والخشوع هو الخوف الثابت في القلب . وقال بعضهم : ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ أي : إلا على المتواضعين ، وهو كقوله : ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [ الأنبياء : 90 ] أي : متواضعين .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢

[سورة البقرة — آية 45]

﴿ وَاسْتَعِينُوا ﴾ خطاب للمؤمنين لا لليهود ، لأنه يليق بمن أذعن فيستكمل به لا للشارد ، ولا ينتفع الباقى على كفره بالصبر والصلاة إلا أنه لا مانع من الخطاب لهم مراعاة لقوله أوفوا وآمنوا واتقون ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، واركعوا ولا سميا أن ما قبل وما بعد فيهم ، والمراد ، اطلبوا المعونة على عبادتكم ومباحكم ﴿ بِالصَّبْرِ ﴾ حبس النفس على الاجتهاد فى العبادة وعما نشتهى من توسيع اللذات وعن المعاصى والمكاره ، وعلى المصيبة ، ويقال من صبر على الطاعة فله ثلثمائة درجة ، أو عن المعاصى فستمائة درجة ، أو على المصيبة فتسعمائة ، بين الدرجتين ما بين الأرض والسماء ، ويقال الصبر على الطاعة أعظم ثواباً من الصبر على المصيبة ، وعن المعصية أعظم منها ، ولفظ ابن أبى الدنيا وأبى الشيخ ، عن على ، الصبر ثلاثة : فصبر على المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبرة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرض العليا إلى منتهى الأرضين ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرضين إلى منتهى العرش مرتين ﴿ وَالصَّلَوةِ ﴾ قدم الصبر عليها لأنها لا تكون إلا بالصبر عن الكسل والملاذ الصارفة عنها ، وعلى وظائفها من الطهارة من الأنجاس ، ورفع الأحداث ، والخشوع وإحضار القلب ، وسائر شروطها ، وشطورها ، وأفردها بالذكر لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، إذا أتى بها كما أمر به ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه أمر بادر إليها ، والآية أنسب باليهود ، فهم داخلون بالمعنى ، ولو عل القول بأن الخطاب لغيرهم ، لأنهم منعهم عن الإيمان حب الرياسة والشهوات ، فأمروا بالصبر ، ومنه الصوم ، أو المراد به الصوم ، وهو ضعيف ، وبالصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتورث الخشوع ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ أى الصلاة لأنها أقرب مذكور ، والاستعانة بالصبر والصلاة ، كقوله ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ وقوله تعالى ﴿ وإِن تشكروا يرضه لكم ﴾ أى يرضى الشكر ، أو أن الأمور من قوله اذكروا إلى قوله واستعينوا . والراجح الأول ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ شاقة ، كقوله تعالى : ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ أى شق عليهم ﴿ إِلاَّ عَلَى الْخَشِعِينَ ﴾ الساكنى الجوارح الحاضرى القلوب ، سبيلا إلى الطاعة ، فلا تثقل فيهم ، وإن ثقلت فأقل من ثقلها على غيرهم لا عتيادهم أمثال ذلك ، ورجائهم من الثواب ما يستحقر له مشاقهم حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال : « جعلت قرة عينى فى الصلاة ، ويقول : أرحنا يا بلال بالصلاة » ، وصح التفريغ لأن كبيرة بمعنى لا تسهل ، كما جاء بعد أبى لأنه بمعنى لم يرد ، أو هو منقطع ، أى لكن الخاشعون لاتكبر عليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٢