سورة البقرة · الآية ٥٤ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ یَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوۤا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَیۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ٥٤
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

الجزء ١الربع ٣ صفحة ٨

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 54]

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ : عباد العجل ، ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ﴾ معبودا ، ﴿ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ خالقكم الذي خلق الخلق أبرياء من التفاوت ؛ وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم أبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة والبلادة ، ﴿ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ فرض عليهم قتل أنفسهم إذ ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل ، وكان ذلك توبة لهم ، إذ قال : ﴿ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ فلما قتلوا أنفسهم كان ذلك توبة الله عليهم ، وكانت تلك طاعة عليهم ؛ يبتلي الله خلقه بما شاء ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ﴾ ، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ يغفر الذنوب وإن كثرت

افتحه في القارئ · صفحة ٦١

[سورة البقرة — آية 54]

قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ أي : إلى خالقكم ﴿ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ﴾ أي خالقكم ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ .

ذكروا أن موسى عليه السلام لما قطع البحر ببني إسرائيل ، وأغرق الله آل فرعون ، قالت بنو إسرائيل لموسى : يا موسى ، ايتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا ، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر . فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لينطلقوا معه . فلما تجهّزوا قال الله لموسى : أخبر قومك أنك لن تأتيهم إلى أربعين ليلة ، وذلك حين أتممت بعشر ، وهي ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة . قال الحسن : كانت أربعين من أوّل؛ يقول : ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً ﴾ [ الأعراف : 142 ] وبعدها عشراً ، كقوله : ﴿ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [ البقرة : 196 ] .

قال الكلبي : فلما خرج موسى بالسبعين أمرهم أن ينتظروا في أسفل الجبل . وصعد موسى الجبل فكلّمه ربه ، وكتب له في الألواح . ثم إن بني إسرائيل عدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة فقالوا : قد أخلَفَنَا موسى الوعد . وجعل لهم السامري العجل ﴿ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ﴾ [ طَهَ : 88 ] فعبدوه .

قال الكلبي : فبلغنا والله أعلم أن الله قال عند ذلك : يا موسى إن قومك قد عبدوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار . فرجع موسى إلى قومه ومعه السبعون ، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدثت بنو إسرائيل من بعده بالذي قال له ربه . فلما غشي موسى محلّة قومه سمع اللغط حوله العجل ، فقال السبعون : هذا قتال في المحلَّة . فقال موسى ليس بقتال ، ولكنه صوت الفتنة . فلما دخل موسى ونظر ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل غضب ، وألقى الألواح فانكسرت ، فصعد عامة ما فيه من كلام الله .

﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ [ الأعراف : 150 ] فقال له هارون : ﴿ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِيَ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [ طه : 94 ] . فأرسله موسى وأقبل على السامري وقال : ما خطبك يا سامري؟ ولم صنعت ما أرى؟ قال : بصرت بما لم يبصروا به ، يعني بني إسرائيل . قال : وما الذي بصرت به؟ قال : رأيت جبريل على فرس ، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة ، فما ألقيت عليه من شيء كان له روح ودم . فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً فكذلك سوّلت لي نفسي أن أصنع إلهاً ، ثم ألقي عليه القبضة فيصير ربّاً لبني إسرائيل ، فيعبدونه بين ظهرانيهم .

فغضب موسى فأمر بالسامري أن يخرج من محلّة بني إسرائيل ولا يخالطهم في شيء ، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار . فمن قرأ ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ [ طه : 97 ] فهو يريد لنبردنه ومن قرأها لنحرّقنه فهو يريد لنحرّقنه بالنار . وهي أعجب القراءتين إلي ، لأن الحريق للذهب الذي لا تحرقه النار آية عجيبة لموسى . فسلّط الله عليه النار فأحرقته فلما أحرقته النار ذراه موسى في اليم ، وهو البحر .

ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض . فلما نظروا إليه قالوا : لا حاجة لنا فيما أتيتنا به ، فإن العجل الذي حرّقته كان أحبّ إلينا مما أتيتنا به ، فلسنا قابليه ولا آخذين ما فيه . فقال موسى : يا رب ، إن عبادك بني إسرائيل ردّوا كتابك ، وكذّبوا نبيّك ، وعصوا أمرك . فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل ، فغشوا به بني إسرائيل ، حتى أظلوا به عسكرهم ، فحال بينهم وبين السماء . فقال موسى : إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه ، وإما أن يلقى عليكم الجبل فيشدخكم . فقالوا : سمعنا وعصينا . أي : سمعنا الذي تخوّفنا به ، وعصينا الذي تأمرنا به . ثم أخذوا الكتاب ، ولم يجدوا بداً من أخذه . ورفع عنهم الجبل . فنظروا في الكتاب ، فبين راض وكاره ، ومؤمن وكافر . يقول الله : ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي : لكي تشكروا . فندم القوم على ما صنعوا وعابتهم موسى وعيَّرهم بالذي صنعوا ، وقال : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ، أي إلى خالقكم . فقالوا : كيف التوبة يا موسى؟ قال : فاقتلوا أنفسكم ، يعني يقتل بعضكم بعضاً . ذلكم ، أي : المتاب ، خير لكم عند خَالِقكم . قالوا : قد فعلنا يا موسى . فأخذ عليهم العهد والميثاق : لتصبرنَّ للقتل ولترضَوُنَّ به . قالوا : نعم . قال : فأَصبِحوا في أفنية بيوتكم ، كل بني أب على حدتهم ، ففعلوا .

فأمر موسى السبعين الذين لم يكونوا عبدوا العجل من بني إسرائيل أن يأخذوا السيوف ثم يقتلون من لقوا . ففعلوا ، فمشوا في العكسر ، فقتلوا من لقوا . فبلغنا والله أعلم أن الرجل من بني إسرائيل كان يأتي قومه في أفنية بيوتهم جلوساً فيقول : إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف ، فاتقوا الله واصبروا ، فلعنة الله على رجل حل حبوته ، أو قام من مجلسه ، أو أحدَّ إليهم طرفاً ، أو اتَّقاهم بيد أو رجل ، فيقولون : آمين . فجعلوا يقتلون من لَقُوا . ثم نزلت الرحمة من الله فرفع عنهم السيف وتاب الله عليهم . [ وذلك قوله : ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ . وكانت قتلاهم فيما بلغنا ، والله أعلم سبعين ألفاً .

وقال بعض المفسرين : أمروا أن ينتحروا بالشِّفار . فلما بلغ الله فيهم نقمته سقطت الشفار من أيديهم ، فكان للمقتول شهادة ، وللحي توبة .

افتحه في القارئ · صفحة ٦١

[سورة البقرة — آية 54]

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ من عبد العجل من الرجال والنساء ، فإن لفظ قوم يستعمل عامّاً للنساء مع الرجال ، تبعاً على المشهور ، ولو كان لا يستعمل فيهن وحدهن لأنهم القائمون بهن ، الرجال قوامون على النساء ، وقيل يجوز إطلاق القوم عليهن حقيقة أو مع الرجال كذلك ﴿ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ﴾ إلَهاً ﴿ فَتُوبُوا ﴾ من عبادة العجل ، وتسميته إلَها ، والدعاء إليه ، والرضى بتصويره ، مع أنه لا يقدر على فعل شىء ، فضلا عن أن يكون خالقاً ﴿ إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ خالقكم برءاء من التفاوت ، كيد فى عياة القصر والرقة ، وأخرى طويلة غليظة أو يد سوداء ، ووجه أبيض ، وهو أخص من الخلق ومخرجكم من العدم والخلق النقل من حال الأحرى والتقدير ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ليس هذا من التوبة ، تفسير إلها بل هى فى قوله توبوا ، وهذا عقاب تصح به توبتهم ، وتقبل كمن فعل ذنباً مما بينه وبين الله فاستقبحه ، وندم ، وعزم على عدم العود ، وأمر بكفارة ، فالتحقيق أن الكفارة ليست من حد التوبة ولو كانت قد تؤخذ فى تعريفها بخلاف رد المظلمة فمن حدها . ومعنى اقتلوا أنفسكم ، ليقتل بعضكم بعضاً أنفسكم ، أو نزلهم منزلة شىء واحد ، وذلك أنهم لم يؤمر كل واحد أن يقتل نفسه بل أمر من لم يعبد العجل ، وهم اثنا عشر ألفا أن يقتل من عبده ، والقاتل والمقتول كنفس واحدة ، نسبا وديناً ، والخطاب لمن يعبده فى اقتلوا ، أو اقتلوا يا عابدى العجل ، بعضكم بعضاً ، أو أسلموا أنفسكم للقتل ، فالخطاب للعابدين ، قالوا : نصبر للقتل طاعة الله ليقبل تربتنا ، وعلى أن القاتلين من لم يعبد العجل ، فالعابدون جلسوا محبتين ، وقال هلم موسى من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله ، أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود التوبة ، فأخرجت الخناجر والسيوف ، وأقبلوا عليهم للقتل فكان الرجل يرى أباه وابنه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله ، فقالوا يا موسى : كيف نفعل ، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء تغشى الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول ، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشى ، حتى قتلوا سبعين ألفا ، واشتد الكرب ، فبكى موسى وهارون تضرعاً إلى الله ، فانكشفت السحابة وسقطت الشفار من أيديهم ، ونزلت التوبة ، فأوحى الله إلى موسى ، أما يرضيكم أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، فكان من قتل منهم شهيداً ، ومن بقى منهم مغفوراً له خطيئته من غير قتل ، وذلك حكمة من الله عز وجل ، وله أن يفعل ما يشاء ، أبدلهم عن الحياة الدنيا حياة سرمدية بهيجة ، وقيل التقل إذلال النفوس بالطاعة وترك المعصية ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أى القتل ﴿ خَيْرٌ ﴾ منفعة أو اسم تفضيل خارج عنه ، وإن لم يخرج فباعتبار لذة المعصية فى النفوس ، أو من باب العسل أحلى من الخل ﴿ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ الخطاب للذين لم يعبدوا العجل ، والذين عبدوه ، أذعن العابدون للقتل ، وامتثل غير العابدين قتل العابدين ، مع أنهم من نسبهم وقرابتهم وأصدقائهم وأصهارهم ، وجيرانهم ، وكرر لفظ بارىء ولم يقل خير لكم عنده .

ليشعر بأن من هو بارىء حقيق بأن يمتثل له أمره ونهيه ﴿ فَتَابَ ﴾ الله ، ومقتضى الظاهر ، فتبت ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ قبل توبتكم ، من قتل ، ومن لم يقتل لإذعانه للقتل ﴿ إِنَّهُ هُوَ ﴾ مقتضى الظاهر إننى أنا ﴿ التَّوَّابُ ﴾ على كل من تاب من خلقه ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ المنعم على من تاب أو أنه هو الذى عهدتم يا بنى إسرائيل قبل ذلك توبته عليكم ورحمته لكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٦١