سورة طه · الآية ٥٠ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِیۤ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَیۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ٥٠
الرسم الإملائيّ

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى

الجزء ١٦الربع ١٢٥ صفحة ٣١٤

تفسيرها

[سورة طه — آية 50]

﴿قَالَ : فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ؟ قَالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأنواع ﴿خَلْقَهُ﴾ صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له ، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ، ويرتفقون به ، وقيل: أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا ، وقيل: أعطى كل مخلوق ما لا يستقيم إلا به ، وقيل: أعطى ﴿كل﴾ شيء صلاحه ، وهداه لما يصلحه . ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ ثم عرفه كيف يترفق بما أعطي ، وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا ، وهو جواب في غاية البلاغة ، لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ، ودلالته على أن الغني القادر بالذات ، المنعم على الإطلاق هو الله تعالى ، وأن جميع ما عداه مفتقر إليه ، منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله . ولذلك بهت الذي كفر ، وأفحم عن الدخل عليه ، فلم ير إلا صرف الكلام عنه ، فقال:

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٩٨

[سورة طه — آية 50]

﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ قال الحسن : صلاحه وقوته الذي يقوم به ويعيش به . ﴿ ثُمَّ هَدَى ﴾ يقول : ثم هداه له حتى أخذه .

وقال مجاهد : سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه . وقال الكلبي : أعطاه شكله من نحوه . أعطى الرجل المرأة ، والجمل الناقة ، والذكر الأنثى ، ثم هدى ، أي عرّفه كيف يأتيها .

ذكروا عن الحسن أنه قرأ : ﴿ صُنْعَ الله الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ النمل : 88 ] ثم قال : ألم تر إلى كل دابة كيف تتقي عن نفسها .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٩٨

[سورة طه — آية 50]

﴿ قال ربُّنا ﴾ أى الله ربنا ، ونالهما ، وقيل للعالمين كما قال : ﴿ أنا رسول رب العالمين ﴾ تحقيقا للحق ورداً على اللعين القائل : ﴿ أنا رب العالمين ﴾ مع أن ملكه فى القبط فقط لم يبلغ الشام ، أو غيرهما كما قال شعيب فى مدين : ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ ﴿ الذى ﴾ نعت أو رب مبتدأ أو الذى خبر ، ومعنى قوله :

﴿ أعْطَى كُلَّ شىء خَلْقه ﴾ أى إيجاده الذى وعد به إجمالا لذات كل شىء ، وتفصيلا لأجزائها كعينين وعين واحدة ، وصحة ومرض ، ولون وطول وعرض ، وغير ذلك ، ومن ذلك الذكورة والأنوثة ، وأولى من هذا أن الخلق بمعنى المخلوق أى أعطى كل شىء ما وعد من تلك الصفات . والأحسن فى حكمة الله ، هو ما قضى لكل أحد كعور الأعور ، ومرض المريض ، وكما الأعضاء وصحتها ونحو ذلك ، فلا حاجة الى دعوى ، أن المراد الأنواع تحرزاً عن نحو العرو والمرض ، مع أنه ليست فى الآية هذه ذكر الأحسنية ، حتى يحتاج الى تأويل ما لا حسن فيه ، كالعور ، وإن أراد القائل بالأنواع أن الأفراد لم توجد بكلها ، بل منها ما يأتى ، بخلاف الأنواع فإنها تمت بحسب الظاهر ، قلنا المعنى أثبت لكل شىء ما سبق به القضاء ، ودله على صلاحه ، وقيل يسر لكل شىء عضو مصالحه ، الرِّجْل للمشى ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع .

وقيل : جعل زوجة البعير النافة ، والفرس الرمكة ، والحمار الأتان وكل مفعول أول ، وخلق مفعول ثان ، والهاء لشىء ، ويجوز أن يكون خلق مفعولا أو بمعنى الشىء المخلوق ، والهاء لله ، وكل مفعولا ثانياً أى أعطى مخلوقاته كل شىء يحتاجون إليه .

﴿ ثم هَدَى ﴾ دل بإعطاء كل شىء خلقه عل وجوده ، وجوده بالنعم التى لا تحصى ، وقيل : ألهم الذكر كيف يأتى الأنثى ، وثم لتراخى الرتبة إن لم يكن هنا تراخ فى الزمان ، ويجوز تفسير الهدى بالإرشاد الى المصالح والإلهام إليها ، وكل عاقبل يعلم أنه لم يوجد نفسه ولا جسماً من الأجسام ، ومن هنا سؤال عما يعين ، ومن فى موضع آخر سؤال عن الماهية ، وقد مر أن فرعون عارف بالله تعالى إذ سجد له ، وسأله جريان النيل ، فهو من باب ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ فيبقى قوله عز وجل : ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ﴾ على ظاهره .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٩٨