سورة الأنبياء · الآية ١٩ من ١١٢

‹ السورة السابقة
وَلَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا یَسۡتَحۡسِرُونَ١٩
الرسم الإملائيّ

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ

الجزء ١٧الربع ١٢٩ صفحة ٣٢٣

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 19]

﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقا وملكا ﴿وَمَنْ عِندَهُ﴾ يعني: الملائكة المنزلين منه – لكرامتهم عليه – منزلة المقربين عند الملوك ، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتعظمون عنها ، ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يعيون منها ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور ، تنبيها على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ، ولا يستحسرون. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ وينزهونه ويعظمونه دائما ، ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ لأن الشيطان لا يأتيهم بالوسوسة فيشغل قلوبهم بالغفلة كما يأتي بني آدم. والله تبارك تعالى مستحق للتسبيح والتقديس ، والتنزيه عما لا يليق به في كل حال ، فمن ذلك لا يفترون بغفلة ، ولا يستحسرون من عياء ، ولا يسأمون من ساءمه ليلا ونهارا ﴿كذا﴾ . وكذلك تسبيح الجمادات ومن لا يعقل ، وسجودها دائما في كل وقت ، وكذلك توحيد المؤمنين لله تعالى وطاعتهم له ، وتسبيحهم له دائما بلسان الحال ، وإن غفلوا عن النطق به بلسان المقال ، ولا يفتر عن طاعة الله وتسبيحه وتنزيهه – في الحقيقة – إلا من عصاه ، وخرج من جملة التوحيد.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٠٢

[سورة الأنبياء — آية 19]

قال تعالى : ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أي : ولا يُعيَوْن . ﴿ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ .

ذكروا عن ابن عباس في تفسيرها قال : انظر إلى بصرك هل يؤودك ، أي : هل يثقل عليك ، وانظر إلى سمعك هو يؤودك ، وانظر إلى نَفَسك هل يؤودك ، فكذلك الملائكة .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أطّت السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد » .

ذكروا عن عطاء قال : ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٠٢

[سورة الأنبياء — آية 19]

﴿ ولهُ ﴾ لا لغيره ﴿ مَنْ ﴾ للعقلاء وغيرهم تغليباً لهم ﴿ فى السَّموات والأرض ﴾ تقرير لقوله : ﴿ وما خلقنا السَّماء والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ إلا أنه جمع السماء هنا إظهارً لمزيد العظمة ، أى له كل ما فى كل واحدة ، وهنالك أراد مجرد هذا السقف الذى يشاهونه . والفراش الممهد وما بينهما على حكم لا تحصى ، أو تقرير لما قبله كله ، أى له خاصة ما فيهن خلقاً وملكاً ، وتدبيراً وتصرفاً ، وإحياء وإماتة ، وإثابة وعقاباً ، ويضعف عوده الى لكم الويل بمعنى لكم ما ليس لله من الشرور ، والله ما ليس لكم من الخيور ، أو الى تصفون على أن الواو للحال تصفون بالولد ، مع أن ما فى السموات والأرض ملك له .

﴿ ومن عنده ﴾ العندية عندية الشرف ، والتنزيل منزلة المقربين عند الملوك ، فعند استعارة لقرب المكانة مفردة لا تمثيلية ، لأن التمثيلية لا تقع فى المفرد ، ومن مبتدأ خبره قوله :

﴿ لا يسْتَكبِرونَ عَنْ عبادَتِه ﴾ ويجوز عطف من على من وجملة لا يستكبرون حال من المستتر فى عند ، أو فى له فيكون عطف خاص على عام لمزيته ، وهو الملائكة المعبر عنهم بمن الثانية كقوله تعالى : ﴿ تنزل الملائكة الروح ﴾ أو نوع من الملائكة أو من فى السموات والأرض الملائكة ، ومن عنده نوع منهم كالحافين حول العرش ، والعموم فى ذلك كله أولى كما فسرت الآية أولا ، ومعنى لا يستكبرون عن عبادته لا يتعظمون عنها ، ويعدون أنفسهم كبراء عنها .

﴿ ولا يسْتَحْسِرُونَ ﴾ يكلون عن العبادة ويفترون عنها لتعب ، إذ لا يصيبهم تعب ، والاستفعال هنا بمعنى الفعل كأنه قيل لا يحسرون أو للمبالغة على الأصل بمعنى انتفى الحسور انتفاء بليغاً ، كما هو وجه فى قوله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام ﴾ أى انتفى الظلم عنه انتفاء بليغاً .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٠٢