كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰۖ وَإِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ٣٥
الرسم الإملائيّ
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
الجزء ١٧الربع ١٣٠ صفحة ٣٢٤
تفسيرها
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ذائقة مرارة مفارقتها جسدها ، لم يخلق الله الموت لعباده عبثا ، بل لحكمة أو حكم ، ومن ذلك ربما يكون لزيادة ثواب المؤمنين ، وزيادة عذاب للكافرين. ﴿وَنَبْلُوكُم﴾ ونعاملكم معاملة المختبر ﴿بِالشَّرِّ﴾ (لعله) من قليل ذلك وجليه ، فالمؤمن يخرج من الابتلاء بالسراء والضراء بزيادة ثواب عما كان عند دخوله فيه ، من قبل صبره للضراء ، ولو في قرص نملة ، أو التصدق بحبة ، أو شكره للسراء ، ولو ناله أدنى مسرة ، ولو تجشى جشوة فحمد الله على ذلك، والكافر يخرج من الابتلاء بزيادة عقاب إذا خرج غير شاكر للسراء ، ولا صابر للضراء ، فعذابه(لعله) بتضييعه للفرض ، وإن أدى الفرض في ذلك فغير مقبول منه ، وتحسره على فوات الثواب هو عين العذاب ، لأنه عاص ، وعمله مردود عليه ، كما قال:﴿ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾ ، فصح أن الضراء صارت للمؤمن سراء ، إذ في العاقبة مأجور على فعلها ، والأمور للعواقب ، والسراء للكافر ضراء ، إذ﴿هو﴾ معاقب عليها في العاقبة ، فصح أن الخير لا يكون إلا لأهل الخير ، والشر لا يكون إلا لأهل الشر ، ﴿وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر . وفيه تنبيه بأن المقصود من هذه الحياة: الابتلاء. والتعريض للثواب والعقاب تقرير لما سبق.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٨
قال تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بالشَّرِّ وَالخَيْرِ ﴾ أي : بالشّدة والرّخاء ﴿ فِتْنَةً ﴾ أي : بلاء واختباراً . ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أي يوم القيامة .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٨
﴿ كُلُّ نفسٍ ذائقةُ المَوْت ﴾ تلابسه على وجه تتألم به على اختلاف الناس فى شدته ، فهوعلى بعض أشد منه على آخر ، قال صلى الله عليه وسلم : « إن للموت سكرات » وأما ما جاء من أن بعض الناس ما أحسوا للموت إلهاً فشاذ ، والذوق مجاز عن أهل لإدراك ، وحقيقته فى الطعم ، والموت لا يؤكل ، وبعد حصوله لا يدرك لعدم وجود الروح فى البدن ، فذوقه ذوق مقدماته من الآلام العظام ، وزعم بعض أن الروح تتألم بالموت بعد مفارقة البدن ، والموت زوال الحياة عن الحى ، فهو أمر عدمى كزوال البصر عمن يبصر ، والسمع عمن يسمع ، والنطق عمن ينطلق ، والحس عمن يحس ، فالجنين قبل نفخ الروح فيه ليس ميتاً لعدم تقدم الحياة فيه ، هذا مذهب الجمهور ، وقيل هو عدم الحياة عما من شأنه أن يحيا حيى أو لم يحى ، فاجنين ميت على هذا لقوله تعالى : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ وقال أبوالحسن الأشعرى : الموت أمر وجودى يضاد الحياة ، لقوله تعالى : ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ والخلق الإيجاد ولأنه جائز ، والجائز لا بد له من فاعل ، وأجيب بأن الخلق بمعنى التقدير أو بأن خلق الموت خلق أسبابه على تقدير مضاف ، وأن الفاعل يريد العدم ، كما يريد الحياة ، فالفاعل يعدم الحياة كما يعدم البصر مثلا ، وإذا كان أمراً عدمياً فهو عرض ، وتوقف بعض القائلين بأنه وجودى ، أجوهر أوعرض ، ويدل لعرضيته ما روى فى بعض الأحاديث : أنه أمر خلقه الله فى كف ملك الموت ، وعلى أنه جوهر ما فى بعضها ، أنه خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر بشىء يجد ريحه إلا مات ، وجل عبارات العلماء اما أنه عرض يعقب الحياة ، واعترض بأنه غير مانع لشموله العمى بعد البصر ونحو ذلك .
وأجيب ببقاء حياة العين مثلا ، وأما أنه فساد بنية الحيى ، وهو تعريف بالعارض ، ومثله قول بعض أنه تعطل القوى لانطفاء الحرارة الغريزة التى هى آلتها ، فإن كان ذلك لاطفاء الرطوبة الغريز فالموت الطبيعى ، وإلا فقير الطبعى .
وعن ابن عباس فى قوله تعالى : ﴿ خلق الموت والحياة ﴾ ان الموت الآخرة ، والحياة الدينا ، والآية تقضى بموت الإنساء والجن والملائكة ، والحيوانات والحور والولدان ، والأرواح ويعبر عنها بالنفوس ، صم يبعثرن كل شىء هالك إلا وجهه وزعم بعض أن الأرواح لا تموت ، وبعض أن الحور والولدان لا يموتون ، وبعض أن بعض الملائكة لا يموتون كالملائكة الأربعة ، وأن أرواح الأفلاك والقمرين والنجوم لا تموت على زعم أن لها أرواحاً قال أحمد بن الحسين :
تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم … إلا على شجب والخلق في شجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة … وقيل تشرك جسم المرء في العطب
﴿ ونُبْلوَكم ﴾ نعاملكم معاملة المختبر ، ولا يخفى عنا شىء ، والخطاب للناس كلهم ، أو للكفرة على طريق الالفتات من الغيبة الى الخطاب ﴿ بالشرِّ ﴾ ما تكحرهون فيكم ، وفيمن يليكم مطلقا كالشدة والفقر ، والمرض والجنون وغير ذلك ، هل تصبرون عليه ﴿ والخَيْر ﴾ ما تحبون فيكم ، وفيمن يليكم مطلقا كالرخاء ، وصحة البدن ، والغنى والعقل ، وغير ذلك ، هل تشكرونه؟ وقدم ما يكرهون وهو الشر ، لأنه أليق بهم لكفرهم ، ولو أريد بالخطاب الناس مطلقا ، ولأنه أنسب بالموت المذكور قبله ، ولأن الخير أيضا شر لميل النفس به الى البطر ﴿ فتْنَة ﴾ ابتلاء ، فهو مفعول مطلق ، أو مفعول من أجله أى لإظهار جودتكم بالشكر والصبر ، ورداءتكم بالجزع ، والكفر والأول أولى لعدم احتياجه الى تأويل بالإظهار ، وزعم بعض أنه يجوز أن يكون حالا بمعنى مظهرين ، وهو خطأ لأن اللفظ تسمية لله عز وجل بلفظ الفتنة مع تأويل بالمشتق ، والفسير بالإظهار ، وكل من المحنة والمنحة ابتلاء ، هل يصبرون ويشكرون ، والنفس تميل بالطبع الى البطر ، فالقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، قال عمر : بلينا بالضراء فصبرنا ، وبالسراء فلم نصبر ، قال : على من وسع عليه دنياه ، ولم يعلم أنه لعله مكر به ، فهو مخدوع عن عقله .
﴿ وإلينا ﴾ وحدنا ﴿ ترجعون ﴾ للجزاء بما فعلتم من خير أو شر ، على أن الخطاب بالكاف للناس ، فذلك وعد ووعيد ، أو للعقاب على أنه للكفار فهو وعيد ، وإنما خلق المكلفون للابتلاء .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥١٨