سورة الأنبياء · الآية ٤٤ من ١١٢

‹ السورة السابقة
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰۤؤُلَاۤءِ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا یَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِی ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۤۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ٤٤
الرسم الإملائيّ

بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ

الجزء ١٧الربع ١٣٠ صفحة ٣٢٥

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 44]

﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ إضراب عما توهموا ، ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم ، وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار والأرزاق ، أو مهلهم حتى طالت أعمارهم ، فحسبوا أن لا يزالو كذلك ، وأنهم بسبب ما هم عليه ، ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب ، فقال:﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؟ أرض الكفرة ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بتسليط المسلمين عليها ، أي: ما ننقص من أطراف المشركين ، ونزيد في أطراف المؤمنين ، نريد بذلك فتح النبي ديار المشركين أرضا فأرضا ، ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؟ رسول الله والمؤمنين.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٢٧

[سورة الأنبياء — آية 44]

قوله : ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلآءِ وءابَآءَهُمْ ﴾ يعني قريشاً ﴿ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ ﴾ أي : لم يأتهم رسول حتى جاءهم محمد عليه السلام .

﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ أَطْرَافِهَا ﴾ . قال ابن عباس : موت فقهائها وعلمائها . ذكر بعضهم قال : موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد .

وقال الحسن : ( نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا ) بالفتوح على النبي صلى الله عليه وسلم أرضاً فأرضاً . ألا تسمعه يقول : ﴿ أَفَهُمُ الغَالِبُونَ ﴾ أي : ليسوا بالغالبين ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب .

وقال الحسن : إن الله يبعث قبل يوم القيامة ناراً تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام ، تنزل معهم إذا نزلوا ، وترحل معهم إذا رحلوا ، فتقوم عليهم القيامة بالشام ، وهو قوله : ﴿ نَنقُصُهَا مِن أطْرَافِهَا ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٢٧

[سورة الأنبياء — آية 44]

﴿ بل متَّعنا هؤلاء وآباءَهُم حتَّى طَال عليهُم العُمُر ﴾ انتقال الى ذكر استدراجهم المتضمن للوعيد ، أو من توهمهم أنهم فى كلاءة من آلهتهم ، أو من توهم أنها تمنعهم ، وأن ما هم فيه يدوم الى أن إبقاءهم متنعمين استدراج ﴿ أفلا يروْن أنَّا نأتى الأرضَ ﴾ ألا يعتبرون فلا يعلمون أنا نأتى أرضهم ، أو أرض الكفرة مطلقا ﴿ نَنْقُصها مِنْ أطرافها ﴾ بتغليب المؤمنين عليها ، ولم يقل أفلا يرون أنا ننقص الأرض بل ﴿ قال نأتى الأرض ﴾ الخ إشارة الى أن انتزاها بإتيان جيوش المؤمنين ، وأنه بقدرته تعظيم أمر الجهاد والمجاهدين ، إذ أسند ما لهم اليه ، وننقص حال مقدرة ، والآية مدنية فرض الجهاد ، جعلها الله تعالى فى سورة مكية ، وعلى أنها نزلت بمكة فنقص الأرض إذهاب بركتها ، قيل : وتخريب قراها ، وموت أهلها ، وفيه أنه لم يظهر التخريب وموتهم ، ولا يصح أيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم : ان نقصها بموت العلماء ، فهو حديث موضوع إذ لم يظهر موتهم ، وإن أريد علماء أهل الكتاب لم يظهر أيضا .

﴿ أفُهم الغالبون ﴾ أنحن الناقصون لها ، فهم مع ذلك الغالبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، لا يتصور ذلك ، بل المؤمنين هم الغالبون ، وضمائر الغيبة فى ذلك كله من قوله : ﴿ بل هم عن ذكر ربهم ﴾ إلى هنا تحقير لهم ، وتنزيل لهم منزلة ما هو أخس من البهائم ، وأمر رسوله بخطابهم فى قوله :

﴿ قل إنَّما أنُذِرُكُم ﴾ فى شأن الاستعجال ﴿ بالوَحْى ﴾ الصادق الناطق بإثبات الساعة ، وشدة هولها وقوله : ﴿ ولا يسْمعُ الصُّمُ الدُّعاء إذا ما يُنْذَرون ﴾ صيح عليهم بحدوث مخوف ، وذلك من جملة ما أمر الله سبحانه رسوله صلى الله وسلم أن يقوله لهم ، أو مستأنف من الله عز وجل ، أى قل لهم : إنما أنذركم بالوحى ، ولا يؤثر فيهم قولك ، ولكن تبليغاً وقطعا للاعتذار ، كما لا يؤثر النداء المكرر المرفوع به الصوت جداً فى الصم ، فإن من شأن الإنذار رفع الصوت جدا ، وتكريره على هيئة تدل على حادث مكروه ، هم يسمعون شبهوا بمن لا يسمع طبعاً فضلا عن أن يعملوا بما يقال لهم : والصم الجنس ، فهؤلاء داخلون أولا إذ فيهم الكلام ، أو هم المقصودون ، ذكروا بالاسم الظاهر ليصرح ببعدهم عن قبول فلذا لم يقل : ولا يسمعون ، وأجيز أن يكون المعنى لا يسمع هؤلاء ، أو هم وأمثالهم الدعاء الى الحق إذا أنذروا به .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٢٧