سورة الأنبياء · الآية ٦٩ من ١١٢

‹ السورة السابقة
قُلۡنَا یَٰنَارُ كُونِی بَرۡدࣰا وَسَلَٰمًا عَلَىٰۤ إِبۡرَٰهِیمَ٦٩
الرسم الإملائيّ

قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ

الجزء ١٧الربع ١٣١ صفحة ٣٢٧

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 69]

﴿ قُلْنَا : يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ ذات برد وسلام ، أي: ابردي بردا غير ضار ِ، وفيه مبالغات ، جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة . روي أنهم بنوا حظيرة ، وجمعوا فيها نارا عظيمة ، ثم وضعوه في المنجنيق مغلولا ، فرموا به فيها ، فقال له جبريل:" هل لك من حاجة؟" كأنه يودعه وداع الخارج من الدنيا اختبارا وابتلاء فوق ابتلائه ، ليتضاعف له الأجر ، فقال:" أما إليك فلا" أي: إنك مخلوق مثلي لا تقدر على شيء من نجاتي. فقال له:" سل ربك " ، فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي ، إنى وضعت في ذلك الحال اجتهادا في دينه ، ورضى له ، وهو إن شاء يميتني ، ،إن شاء يحييني" ، فانجاه الله منها. وانقلاب النار هواء طيبة ، ليس ببدع في قدرة الله ، غير أن ذلك على خلاف المعتاد ، فهو إذن من معجزاته. ﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٥٢

[سورة الأنبياء — آية 69]

﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ ﴾ بالنار ﴿ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ .

قالوا : فجمعوا الحطب زماناً ، حتى أن الشيخ الكبير الفاني الذي لم يخرج من بيته قبل ذلك زماناً كان يجيء بالحطب فيلقيه ، يتقرّب به إلى آلهتهم ، فيما يزعم . ثم جاءوا بإبراهيم فألقوه في تلك النار . فبلغنا أنهم رموا به في المنجنيق ، فكان ذلك أول ما وضع المنجنيق .

فقال الله عزّ وجل : ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً ﴾ فكادت أن تقتله من البرد . فقال عزّ وجل : ﴿ وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي : لا تضرّ .

وذكر بعضهم قال : ما انتفع بها يومئذٍ أحد من الناس شرقاً ولا غرباً ، ولا أحرقت منه يومئذ إلا وَثَاقه . وبلغنا في حديث آخر أنه لم يطبخ بالنار يومئذ في الأرض كلها .

قال بعضهم : وذكر لنا أنه لم يبق في الأرض دابة إلا كانت تطفئ عن إبراهيم النار ، إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٥٢

[سورة الأنبياء — آية 69]

كونى باردة ، وذات سلام ، أو ذات برد وسلام ، أو نفس البرد والسلامة ، ولو لم يقل وسلاماً لمات بالبرد ، وهو مراعاة للفظ ، وأن هناك لافظاً هو ملك ، أو ما شاء الله من الخلق ، ويقال هو جبريل ، وأنه تعالى خلق العقل فى النار وخوطبت ، والذي لى أن معنى الآية أنه تعالى أزال الحرارة التى خلقها فيها ، وجعلها باردة كالريح ، وأزال مضرتها ، أو أبقاها حارة بلا تأثير ، كما لا تحرق السمندل ، وكان يعمل من وبره مناديل إذا اتسخت ، وجعلت فى النار فتزيل وسخها ، ولا لفظ هناك من ملك ولا غيره .

وروى أن الملائكة أخذوا بضبعى ابراهيم فأقعدوه فى الأرض ، فاذا عين ماء عذب وورد أحمر ، وكل حطب أثمر ثماره ، ومكث فيها أربعين يوماً أو خمسين يوماً ، وقال أعظم أيامى طيبا أيام كنت فى النار ، وبعث الله ملك الظل فى صورة ابراهيم يؤنسه فى النار ، وبعث الله عز وجل اليه جبريل بقميص حرير من الجنة ، وطنفسة وقعد معه يحدثه ، وقال : يقول لك ربك : أما علمت أن النار لا تضر أحبابى ، فهل تطيق من أعلى صرحه : إن ربك عظيم القدرة ، إذ فعل بك ذلك : فقال من الذى معك بجانبك على صورتك؟ قال : ملك الظل من الله ربى يؤنسى ، قال : فانى أذبح لربك أربعة آلاف بقرة لقدرته؟ قال : لا يقبل منك إلا إن رجعت الى دينى ، قال أرى ملكى ولا بد من ذبحها ، وهو عليه السلام ابن أربع عشرة سنة ، وسالموه بعد ذلك .

ويقال : نار تحرق كل ما لاقاها ، وهى نار الدنيا ، إلا السمندل ، ونازلا تحرق شيئا وهى نار الحجر والشجر ، ما دات فيهما ، ونار تحرق بعضاً دون بعض ، وهى نار ابراهيم أحرقت كتافه ، والحطب دونه ودون لباسه ، ونار الآخرة تحرق أهلها والحجارة دون الملائكة ، ونار مضيئة ، وهى سائر النيران ، ونار مظلمة ، وهى نار الآخرة ، ونار تأكل وتشرب وهى نار الدنيا ، تأكل الحطب والفتيل وتشرب الزيت ونحوه ، ونحوه ، ونار لا تأكل ولا تشرب وهى نار الحجر ما دامت فيه ، ونار تشرب ولا تأكل ، وهى نار الشجرة ما دامت فيه ، ونار تأكل ولا تشرب وهى نار الآخرة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٥٢