سورة الأنبياء · الآية ٧٩ من ١١٢

‹ السورة السابقة
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَیۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَیۡنَا حُكۡمࣰا وَعِلۡمࣰاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ یُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّیۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِینَ٧٩
الرسم الإملائيّ

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ

الجزء ١٧الربع ١٣١ صفحة ٣٢٨

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 79]

﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ رعته ليلا، والنفش : الرعي بالليل ، (لعله) والهمل بالنهار ، همالة ترعى بلا راع. ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ، وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا . وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ يقدسن الله معه ، إما بلسان الحال ، أو بصوت يتمثل له ، أو بخلق الله فيها ، ﴿ وَالطَّيْرَ﴾ عطف على الجبال ، وقيل: سخر الله الجبال والطير يسبحن مع داوود إذا سبح. قال ابن عباس:" كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ". قال وهب:" كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير" ، ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ لأمثاله ، فليس ببدع منا ، وإن كان عجيبا عندكم.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٢

[سورة الأنبياء — آية 79]

قال عز وجل : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ أي : وقعت فيه غنم القوم ليلاً فافسدته . قال بعضهم : النفش بالليل والهمل بالنهار .

وذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً ، فرفع ذلك إلى داود فقضى بالغنم لصاحب الزرع . فقال سليمان : [ ليس كذلك ولكن ] له نسلها ورِسلها وعوارضها وجزازها ، ويُزرع له مثل ذلك الزرع ، حتى إذا كان من العام القابل كهيئته يوم أُكِل دُفِعت الغنم إلى صاحبها وقبض صاحب الزرع زرعه ، فقال الله عزّ وجلّ : ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ .

وتفسير الكلبي أن أصحاب الحرث استعدوا على أصحاب الغنم ، فنظر داود ثمن الحرث فإذا هو قريب من ثمن الغنم فقضى بالغنم لأهل الحرث . فمرّوا بسليمان فقال : كيف قضى بينكم نبيُّ الله؟ فأخبروه . فقال : نِعمَ ما قضى ، وغيره كان أرفق بالفريقين كليهما . فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه . فأرسل إلى سليمان فدخل عليه ، فعزم عليه داود بحق النبوة وبحق الملك وبحق الوالد لَمَا حدثتني كيف رأيتَ فيما قضيتُ .

قال سليمان : قد عدل النبي وأحسن ، وغيره كان أرفق . قال : ما هو؟ قال : تدفع الغنم إلى أهل الحرث فينتفعون بسمنها ولبنها وأصوافها وأولادها عامهم ، وعلى أهل الغنم أن يزرعوا لأهل الحرث مثل الذي أفسدت غنمهم . فإذا كان مثله يوم أفسد قبضوا غنمهم . فقال له داود : نِعمَ ما قضيته . قال الكلبي : وكان الحرث عِنَباً .

وقال مجاهد : إن داود أعطى أصحاب الحرث الغنم بأكلها الحرث ، وحكم سليمان بجز الغنم وألبانها لأهل الحرث . وعلى أهل الحرث رِعيتُها ، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئته يوم أكل ، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم .

قوله تعالى : ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ يعني داود وسليمان ، أي لقضائهم شاهدين ، ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ أي : عدل القضية .

وكان هذا القضاء يومئذ . وقد تكون لأمة شريعة ، ولأمة أخرى شريعة أخرى وقضاء غير قضاء الأمة الأخرى .

وقد ذكروا عن سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب وقعت في حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه ، فرفع ذلك إلى النبي عليه السلام فقال : « ما أجد لكم إلا قضاء سليمان بن داوود . » وقضى بحفظ أهل المواشي على أهلها بالليل ، وقضى على أهل الحوائط بحفظ حوائطهم بالنهار .

قال بعضهم : فإنما يكون في هذا الحديث أن يضمن ما كان من الماشية بالليل ، وليس فيه كيف القضاء في ذلك . وإنما القضاء في ذلك الفساد ما بلغ الفساد من النقصان .

ذكروا عن شريح قال في شاة دخلت بيت حائط نهاراً فأفسدت عمله فاختصما إليه فقال : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ والنفش لا يكون إلا بالليل ، [ إن كان ليلاً ضمن وإن كان نهاراً لم يضمن ] ، ولم يجعل فيه شيئاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الدابة العجماء جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس . » قال بعضهم : وهذا عندنا في حديث النبي عليه السلام في ناقة البراء بن عازب أنه بالنهار ، وأما إن أفسدت بالليل فصاحبها ضامن والله أعلم .

قوله تعالى : ﴿ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا ﴾ أي : أعطينا ﴿ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ أي فهماً وعقلاً ، يعني داوود وسليمان .

قال تعالى : ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ . كانت جميع الجبال وجميع الطير تسبح مع داوود بالغداة والعشي ، أي : يصلين ، ويفقه ذلك داوود . قوله تعالى : ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي قد فعلنا ذلك بداوود .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٢

[سورة الأنبياء — آية 79]

﴿ فَفَهَّمناها سليمان ﴾ عطف على يحكمان ، لأنه ماض بصورة المضارع كما مر ، وها للقضية أو الفتيا المعلومة من يحكمان ، روى أن أن جاريتين جميلتين لعابدة اسرائيلية كبيرة السن ، قالتا ، لو قتلناها لنصير الى الرجال ، فألقتا ماء البيض فى فرجها وثوبها حين سجدت ، وصاحتا بأنها زنت ، فأراد داود رجمها فقال له سليمان : بل أوقد عليه النار ، فان كان بيضاً اجتمع أو ماء الرجل افترق ، فاجتمع ولم يرجمها ، فدخل رجل يدعى على الآخر معه أن غنمه أفسدت حرثه ، فقضى له بالغنم ، وخرجا وسليمان على الباب كعادته ، فسألهما عما حكم به ، فقال : غير هذا أرفق بهاما ، فسأله داود بالنبوة والأبوة ما هو؟ فقال أرى أن يقوم صاحب الغنم بالحرث حتى يعود وينتفع صاحبه بلبن الغنم والصوف ، ثم يترادا ، فحكم داود بهذا ، وكان سليمان ابن أحد عشر عاما ، وأحبه أبوه حباً شديداً لهذه الحكم .

وكلا الحكمين عن اجتهاد لا عن وحى ، لأن داود رجع عما حكم به وسليمان قال أرى : ولو كان وحياً لبته ، ولم ينتظر الى أن يطلب اليه مع أنه ليس فى سن ، والوحى لا يبطل بالاجتهاد ، ولا بأس برجوع المجتهد الى غير ما ظهر إذا رآه أفضل ، كما ترجع الصحابة بعض إلى بعض ، ألا ترى قوله عز وجل : ﴿ ففهمناها ﴾ وتكلف خلاف الظاهر من زعم أنهما وحيان الثانى ناسخ للأول أو أنه أوحى الى داود أن يرجع إلى قول سليمان ، ولو كان ما قال سليمان اجتهادا ، والمذهب أنه يضمن صاحب الغنم الحرث ، وعلى أصحاب المواشى حفظها ليلا ونهارا ما لا طاقة لهم ، فقد جاء الحديث جرح العجماء جبار وإن اتبعها صاحبها يصيح ضمن ، لأنها تزيد بصياحه .

وفى رواية : على أصحاب الماشية حفظها ليلا ، وعلى أصحاب الأموال حفظها نهارا ، ورد هذا فى شأن ناقة البراد أفسدت فى حائط رجل ، وفى الرواية اضطراب وكلام فى سنده ، مع أنه يمكن أن البراء أرسلها كما يجوز له ، وزعم أوب حنيفة أنه ضمان على صاحب الدابة إذا لم يكن معها سائق أو قائد ، وذكر لذلك حديث العجمل ، وزعم الشافعى أنه يجب الضمان ليلا ، وأنه من غصب عبداً فائق منه أنه يضمن القيمة ، وينتفع بها المغصوب منه ، بإزاء ما خوته الغاصب ، فإنه ظهر الآبق ترادا .

وعن أبى حنيفة : فى العبد القاتل أنه يعطى الولى أو يفديه ، ويبيعه ، وروى أنه لم يكن بين قيمة الحرث والغنم تفاوت ، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمروا بن العاص : « اقض بين هذين » فقال : أقضى وأنت حاضر؟! فقال : « نعم » قال : على ماذا أقضى؟ قال : « على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك أجر واحد »

فقد بين صلى الله عليه وسلم أن المجتهد يصيب ويخطىء وفى الآية إلى قوله : « ففهمناها سليمان وكلا آيتنا حماً وعلماً » مدح لسليمان بأنه فهم ما لم يفهم أبوه ، وإن المجتهد معذور خطئة ، وأن حكمه علم لو أخطأ .

﴿ وكلا ﴾ منهما ﴿ آتينا حُكماً عِلماً كثيراً ﴾ فى الجملة ، وأما فى هذه المسألة فالعلم لسليمان ، وقد يقال : حكم داود فيها حق أيضا إذ كل المجتهد فى الفروع مصيب عند الله ، بمعنى أن الله عز وجل أباح حكمة وعذره وأثابه ، ولو لم يوافق الحق عنده ، أو بمعنى أن الحق عند الله ما يحكم به الحكام ، ولو تناقضت أحكامهم فى مسألة واحدة ، ولا حكم اله غير أحكامهم فضلا عن أن يقال : وافق الحكم ما عنده أو لم يوافق ، وهو الذى خلقها منهم على كل حال ، وإذا عين الوحى واحدا تعين فى العمل به ، وترك غيره كحكم داود .

وعن مجاهد : ما لسليمان صلح ، وما لداود حكم ، والصلح خير ، وذكر الجصاص أنهم ضمنوا لأنهم أرسلوا الغنم ، وإنما اثيب المخطىء على اجتهاده ، لا على خطئه ، ولفظ البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله أجران إذا حكم فاجتهد فأخطأ أجر » وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كانت أمرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت لصاحبتها : فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال : إيتونى بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : ولا تفعل رحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى » أى لشفقتها عليه .

﴿ وسخَّرنا مع داودَ الجبال يسبِّحْن ﴾ إذ سبح يقلن سبحان الله ويسمعها داود ، وقيل وغيره أيضا كما سبح الحصا فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيحاً سمعه هو وغيره من الصحابة ، وألقاهن فى يد صحابى فسبَّحن ، وفى يد آخر كذلك ، وهو أعظم لأنهن سبَّحن بلا تسبيح منه ، وسبحن ببركته فى يد غيره ، وقيل : تسبيح الجبال صوت يسمع من جانبها ، وليس فى ذلك من الكرامة ما فى تسبيحها مع أنه خلاف الظاهر ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، ولا كرامة فيه وقيل يسبحن يسرن فيحملن من رآها على التسبيح ، ولا دليل على هؤلاء الأقوال ، وهن خلاف المتبادر ، والتفسير الأول هو الصحيح ، وقوله عز وجل : ﴿ يا جبال أوبى معه والطير ﴾ يخالف التفسير بلسان الحال ، وتفسير بعض الصَّدا والتفسير بالسير ، والجملة حال من الجبال أو مستأنفة ، ومع متعلق بسخر أو يسبح ﴿ والطيَّر ﴾ عطف على الجبال أو مفعول معه تسبح كما تسبح الجبال ﴿ وكنا فاعلين ﴾ من شأننا أن نفعل ما يستعظم ويستغرب لكمال قدرته .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٢