تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنبياء

الجزء الأنبياء · صفحة ٠
[سورة الأنبياء — آية 79]

﴿ فَفَهَّمناها سليمان ﴾ عطف على يحكمان ، لأنه ماض بصورة المضارع كما مر ، وها للقضية أو الفتيا المعلومة من يحكمان ، روى أن أن جاريتين جميلتين لعابدة اسرائيلية كبيرة السن ، قالتا ، لو قتلناها لنصير الى الرجال ، فألقتا ماء البيض فى فرجها وثوبها حين سجدت ، وصاحتا بأنها زنت ، فأراد داود رجمها فقال له سليمان : بل أوقد عليه النار ، فان كان بيضاً اجتمع أو ماء الرجل افترق ، فاجتمع ولم يرجمها ، فدخل رجل يدعى على الآخر معه أن غنمه أفسدت حرثه ، فقضى له بالغنم ، وخرجا وسليمان على الباب كعادته ، فسألهما عما حكم به ، فقال : غير هذا أرفق بهاما ، فسأله داود بالنبوة والأبوة ما هو؟ فقال أرى أن يقوم صاحب الغنم بالحرث حتى يعود وينتفع صاحبه بلبن الغنم والصوف ، ثم يترادا ، فحكم داود بهذا ، وكان سليمان ابن أحد عشر عاما ، وأحبه أبوه حباً شديداً لهذه الحكم .

وكلا الحكمين عن اجتهاد لا عن وحى ، لأن داود رجع عما حكم به وسليمان قال أرى : ولو كان وحياً لبته ، ولم ينتظر الى أن يطلب اليه مع أنه ليس فى سن ، والوحى لا يبطل بالاجتهاد ، ولا بأس برجوع المجتهد الى غير ما ظهر إذا رآه أفضل ، كما ترجع الصحابة بعض إلى بعض ، ألا ترى قوله عز وجل : ﴿ ففهمناها ﴾ وتكلف خلاف الظاهر من زعم أنهما وحيان الثانى ناسخ للأول أو أنه أوحى الى داود أن يرجع إلى قول سليمان ، ولو كان ما قال سليمان اجتهادا ، والمذهب أنه يضمن صاحب الغنم الحرث ، وعلى أصحاب المواشى حفظها ليلا ونهارا ما لا طاقة لهم ، فقد جاء الحديث جرح العجماء جبار وإن اتبعها صاحبها يصيح ضمن ، لأنها تزيد بصياحه .

وفى رواية : على أصحاب الماشية حفظها ليلا ، وعلى أصحاب الأموال حفظها نهارا ، ورد هذا فى شأن ناقة البراد أفسدت فى حائط رجل ، وفى الرواية اضطراب وكلام فى سنده ، مع أنه يمكن أن البراء أرسلها كما يجوز له ، وزعم أوب حنيفة أنه ضمان على صاحب الدابة إذا لم يكن معها سائق أو قائد ، وذكر لذلك حديث العجمل ، وزعم الشافعى أنه يجب الضمان ليلا ، وأنه من غصب عبداً فائق منه أنه يضمن القيمة ، وينتفع بها المغصوب منه ، بإزاء ما خوته الغاصب ، فإنه ظهر الآبق ترادا .

وعن أبى حنيفة : فى العبد القاتل أنه يعطى الولى أو يفديه ، ويبيعه ، وروى أنه لم يكن بين قيمة الحرث والغنم تفاوت ، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمروا بن العاص : « اقض بين هذين » فقال : أقضى وأنت حاضر؟! فقال : « نعم » قال : على ماذا أقضى؟ قال : « على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك أجر واحد »

فقد بين صلى الله عليه وسلم أن المجتهد يصيب ويخطىء وفى الآية إلى قوله : « ففهمناها سليمان وكلا آيتنا حماً وعلماً » مدح لسليمان بأنه فهم ما لم يفهم أبوه ، وإن المجتهد معذور خطئة ، وأن حكمه علم لو أخطأ .

﴿ وكلا ﴾ منهما ﴿ آتينا حُكماً عِلماً كثيراً ﴾ فى الجملة ، وأما فى هذه المسألة فالعلم لسليمان ، وقد يقال : حكم داود فيها حق أيضا إذ كل المجتهد فى الفروع مصيب عند الله ، بمعنى أن الله عز وجل أباح حكمة وعذره وأثابه ، ولو لم يوافق الحق عنده ، أو بمعنى أن الحق عند الله ما يحكم به الحكام ، ولو تناقضت أحكامهم فى مسألة واحدة ، ولا حكم اله غير أحكامهم فضلا عن أن يقال : وافق الحكم ما عنده أو لم يوافق ، وهو الذى خلقها منهم على كل حال ، وإذا عين الوحى واحدا تعين فى العمل به ، وترك غيره كحكم داود .

وعن مجاهد : ما لسليمان صلح ، وما لداود حكم ، والصلح خير ، وذكر الجصاص أنهم ضمنوا لأنهم أرسلوا الغنم ، وإنما اثيب المخطىء على اجتهاده ، لا على خطئه ، ولفظ البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله أجران إذا حكم فاجتهد فأخطأ أجر » وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كانت أمرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت لصاحبتها : فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال : إيتونى بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : ولا تفعل رحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى » أى لشفقتها عليه .

﴿ وسخَّرنا مع داودَ الجبال يسبِّحْن ﴾ إذ سبح يقلن سبحان الله ويسمعها داود ، وقيل وغيره أيضا كما سبح الحصا فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيحاً سمعه هو وغيره من الصحابة ، وألقاهن فى يد صحابى فسبَّحن ، وفى يد آخر كذلك ، وهو أعظم لأنهن سبَّحن بلا تسبيح منه ، وسبحن ببركته فى يد غيره ، وقيل : تسبيح الجبال صوت يسمع من جانبها ، وليس فى ذلك من الكرامة ما فى تسبيحها مع أنه خلاف الظاهر ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، ولا كرامة فيه وقيل يسبحن يسرن فيحملن من رآها على التسبيح ، ولا دليل على هؤلاء الأقوال ، وهن خلاف المتبادر ، والتفسير الأول هو الصحيح ، وقوله عز وجل : ﴿ يا جبال أوبى معه والطير ﴾ يخالف التفسير بلسان الحال ، وتفسير بعض الصَّدا والتفسير بالسير ، والجملة حال من الجبال أو مستأنفة ، ومع متعلق بسخر أو يسبح ﴿ والطيَّر ﴾ عطف على الجبال أو مفعول معه تسبح كما تسبح الجبال ﴿ وكنا فاعلين ﴾ من شأننا أن نفعل ما يستعظم ويستغرب لكمال قدرته .

٢٬٥٦٢ / ٦٬٢٣٦