وَدَاوُۥدَ وَسُلَیۡمَٰنَ إِذۡ یَحۡكُمَانِ فِی ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِیهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِینَ٧٨
الرسم الإملائيّ
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
الجزء ١٧الربع ١٣١ صفحة ٣٢٨
تفسيرها
﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ رعته ليلا، والنفش : الرعي بالليل ، (لعله) والهمل بالنهار ، همالة ترعى بلا راع. ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ، وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا . وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ يقدسن الله معه ، إما بلسان الحال ، أو بصوت يتمثل له ، أو بخلق الله فيها ، ﴿ وَالطَّيْرَ﴾ عطف على الجبال ، وقيل: سخر الله الجبال والطير يسبحن مع داوود إذا سبح. قال ابن عباس:" كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ". قال وهب:" كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير" ، ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ لأمثاله ، فليس ببدع منا ، وإن كان عجيبا عندكم.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦١
قال عز وجل : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ أي : وقعت فيه غنم القوم ليلاً فافسدته . قال بعضهم : النفش بالليل والهمل بالنهار .
وذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً ، فرفع ذلك إلى داود فقضى بالغنم لصاحب الزرع . فقال سليمان : [ ليس كذلك ولكن ] له نسلها ورِسلها وعوارضها وجزازها ، ويُزرع له مثل ذلك الزرع ، حتى إذا كان من العام القابل كهيئته يوم أُكِل دُفِعت الغنم إلى صاحبها وقبض صاحب الزرع زرعه ، فقال الله عزّ وجلّ : ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ .
وتفسير الكلبي أن أصحاب الحرث استعدوا على أصحاب الغنم ، فنظر داود ثمن الحرث فإذا هو قريب من ثمن الغنم فقضى بالغنم لأهل الحرث . فمرّوا بسليمان فقال : كيف قضى بينكم نبيُّ الله؟ فأخبروه . فقال : نِعمَ ما قضى ، وغيره كان أرفق بالفريقين كليهما . فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه . فأرسل إلى سليمان فدخل عليه ، فعزم عليه داود بحق النبوة وبحق الملك وبحق الوالد لَمَا حدثتني كيف رأيتَ فيما قضيتُ .
قال سليمان : قد عدل النبي وأحسن ، وغيره كان أرفق . قال : ما هو؟ قال : تدفع الغنم إلى أهل الحرث فينتفعون بسمنها ولبنها وأصوافها وأولادها عامهم ، وعلى أهل الغنم أن يزرعوا لأهل الحرث مثل الذي أفسدت غنمهم . فإذا كان مثله يوم أفسد قبضوا غنمهم . فقال له داود : نِعمَ ما قضيته . قال الكلبي : وكان الحرث عِنَباً .
وقال مجاهد : إن داود أعطى أصحاب الحرث الغنم بأكلها الحرث ، وحكم سليمان بجز الغنم وألبانها لأهل الحرث . وعلى أهل الحرث رِعيتُها ، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئته يوم أكل ، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم .
قوله تعالى : ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ يعني داود وسليمان ، أي لقضائهم شاهدين ، ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ أي : عدل القضية .
وكان هذا القضاء يومئذ . وقد تكون لأمة شريعة ، ولأمة أخرى شريعة أخرى وقضاء غير قضاء الأمة الأخرى .
وقد ذكروا عن سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب وقعت في حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه ، فرفع ذلك إلى النبي عليه السلام فقال : « ما أجد لكم إلا قضاء سليمان بن داوود . » وقضى بحفظ أهل المواشي على أهلها بالليل ، وقضى على أهل الحوائط بحفظ حوائطهم بالنهار .
قال بعضهم : فإنما يكون في هذا الحديث أن يضمن ما كان من الماشية بالليل ، وليس فيه كيف القضاء في ذلك . وإنما القضاء في ذلك الفساد ما بلغ الفساد من النقصان .
ذكروا عن شريح قال في شاة دخلت بيت حائط نهاراً فأفسدت عمله فاختصما إليه فقال : ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ والنفش لا يكون إلا بالليل ، [ إن كان ليلاً ضمن وإن كان نهاراً لم يضمن ] ، ولم يجعل فيه شيئاً .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الدابة العجماء جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس . » قال بعضهم : وهذا عندنا في حديث النبي عليه السلام في ناقة البراء بن عازب أنه بالنهار ، وأما إن أفسدت بالليل فصاحبها ضامن والله أعلم .
قوله تعالى : ﴿ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا ﴾ أي : أعطينا ﴿ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ أي فهماً وعقلاً ، يعني داوود وسليمان .
قال تعالى : ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ . كانت جميع الجبال وجميع الطير تسبح مع داوود بالغداة والعشي ، أي : يصلين ، ويفقه ذلك داوود . قوله تعالى : ﴿ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ أي قد فعلنا ذلك بداوود .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦١
﴿ ودَاودَ وسليمانَ ﴾ عطف على نوحاً بحسب ما تقدم فيه ، أو على لوطاً كذلك ، وهو داود بن أيشا بن عوبر بن باعر بن سلمون ابن بخيتون بن يارب بن حرون بن فارض ابن يهوذا بن يعقوب عليه السلام ، وكان أحمر الوجه بسط الرأس ، أبيض الجسم ، طويل اللحية ، فيها جعودة حسن الصوت ، جمع له بين البنوة والملك كابنه سليمان ، عشا مائة ، وملكه أربعون عاماً ، وله اثنا عشر ابنا أحدهم سليمان ، وكان يشاوره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه ، وكان سليمان أبيض جسيماً وسيماً وضيئاً ، خاشعاً متواضعاً ، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، والاسم ممنوع الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ، إن كان قد سماه للسلامة أو سماه والده مثلا لذلك ، وإلا فالعلمية والعجمة .
﴿ إذ يحكمان ﴾ ظرف لذلك المقدر ، أو بدل المراد حكماً بصيغة الماضى ، وجىء بالمضارع استحضاراً الماضية ، كأنها تشاهد بصورتها ﴿ فى الحرث ﴾ والمراد بالحرث هنا الزرع ، وعن ابن مسعود العنب تشبيهاً له بما يحرث ﴿ إذْ نَفَشَت ﴾ رعت ليلا بلا راع ، وأصل النفش التفرق ، فالمراد تفرقت وانتشرت ﴿ فيه غَنَم القوْم وكنَّا لحُكمِهِم شاهدين ﴾ حاضرين بعلمنا ، فلا يختل والهاء بسليمان وداود ، والجمع للتعظيم ، كقوله تعالى : ﴿ رب ارجعون ﴾ أو اثنان جماعة حقيقة أو مجازاً ، ويدل لذلك قراءة ابن عباس لحكمهما ، وقيل : لهما وللخصوم المدلول عليهم بالمقام ، واللقوم ، أى للحكم الواقع بينهم هكذا ، فلا يضرنا اختلافهم بالوقوع منهما ، وعلى القوم ولخصومهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦١