سورة الأنبياء · الآية ٩٨ من ١١٢

‹ السورة السابقة
إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ٩٨
الرسم الإملائيّ

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ

الجزء ١٧الربع ١٣٢ صفحة ٣٣٠

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 98]

﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يحتمل الأوثان ، وإبليس وأعوانه ، لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم ، كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرمى به لها ، وتهيج به ، من حصبه يحصبه : إذا رماه بالحصباء . ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ داخلون.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٨١

[سورة الأنبياء — آية 98]

قوله عز وجل : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ أي : يُحصَب بهم فيها ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي : داخلون في تفسير الحسن . يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان ، لأنهم بعبادتهم الأوثان عابدون للشياطين ، وهو قوله عزّ وجل : ﴿ أَلَم أعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [ يس : 60 ] .

قال الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقابل باب الكعبة ثم قرأ هذه الآية ، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً . فقال ابن الزّبعرى : أرأيت هذه الآية التي قرأت آنفاً ، أفينا وفي آلهتنا خاصة أم في الأمم وفي آلهتهم معنا؟ قال : لا ، بل فيكم وفي آلهتكم ، وفي الأمم وآلهتهم .

فقال : خصمتك وربّ الكعبة . قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمّه ، وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة . أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكت قريش وضجّوا . فذلك قول الله عزّ وجلّ : ﴿ وَلَمَّا ضُربَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ ﴾ [ الزخرف : 57 ] أي : يضحكون ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني قريشاً : ﴿ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [ الزخرف : 58 ] . وقال ها هنا في هذه الآية وفي جواب قولهم : ﴿ إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ يعني عيسى والملائكة .

وقال بعضهم : إن اليهود قالت : ألستم تزعمون أن عزيراً في الجنة وأن عيسى في الجنة؟ وقد عُبِدا من دون الله . فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ . فعيسى وعزير ممن سبقت لهم الحسنى ، وما عبدوا من الحجارة والخشب والجن وعبادة بعضهم بعضاً وكل ما عبدوا ، حصب جهنم .

ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الشمس والقمر ثوران عقيران في النار » .

وقال بعضهم : ألستم تقرأون : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال : أظنهم يمثلان لمن عبدهما في النار ، يوبَّخُون بذلك .

وفي كتاب الله عز وجل : إن الشمس والقمر يسجدان لله ، وهو قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ ﴾ [ الحج : 18 ] .

ذكروا عن عبد الله بن عمر قال : إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر ، وتغرب من حيث يغرب الفجر . فإذا أرادت أن تطلع تقاعست حتى تضرب بالعمد ، وتقول : يا رب إني إذا طلعت عُبِدت دونك ، فتطلع على ولد آدم كلهم ، فتجري إلى المغرب ، فتسلّم ، ويرد عليها ، وتسجد فينظر إليها ، ثم تستأذن فيؤذن لها حتى تأتي بالمشرق ، والقمر كذلك ، حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه ، فتسلّم فلا يُرَدّ عليها ، فتسجد فلا ينظر إليها ، ثم تستأذن فلا يؤذن لها .

فتقول : يا ربّ إن المشرق بعيد ولا أبلغه إلا بجهد ، فتحبس فلا يؤذن له ، ثم يقال لهما : ارجعا من حيث جئتما ، فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقرونين ، وهو قوله عز وجل : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَنْ تَأتِيَهُمُ المَلآئِكَةُ ﴾ أي بالموت ﴿ أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ ﴾ أي بأمره ﴿ أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [ الأنعام : 158 ] وهو طلوع الشمس من المغرب .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٨١

[سورة الأنبياء — آية 98]

﴿ إنَّكُم وما تعْبدونَ من دُونِ الله حَصَب جهنَّم ﴾ ما لغير العاقل أصلاة ووضعاً ، ولا تستعمل فى غيره أو فى العموم ، إلا لدليل ، فلا تدخل الملائكة إذ عبدتها بنو المليح بالصغير بطن من خزاعة ، ولا عيسى إذ عبده النصارى ، ولا عزير إذ عبده اليهود ، والنبى صلى الله عليه وسلم ذكر الآية لابن الزبعرى حين احتج بهؤلاء على معنى أنها لم تشملهم ، ثم إنه شهر حتى لا يخفى عن نحو ابن الزبعرى أن الملائكة وعيسى ، ويلتحق بهم عزير يكرهون أن يعبدوا ، فكيف يعذبون بما فعل غيرهم بلا رضاً منهم .

دخل صلى الله عليه وسلم المسجد ، وصناديد قريش فى الحطيم ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، فعرض له النضر بن الحارث فأفحمه صلى الله عليه وسلم وتلا : « إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم » الآيات الثلاث ، فأخبر الوليد بن المغيرة عبد الله بن الزبعرى بذلك ، فقال ابن الزبعرى : ولو وجدت محمداً لخصمته ، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : أنت قلت : « إنكم وما تعبدون » الخ؟ قال : « نعم » قال : عبدت النصارى المسيح ، واليهود عزيراً ، وبنو مليح الملائكة ، فقال صلى الله عليه وسلم : « عبدوا الشيطان » فأنزل الله عز وجل : ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ أى عزيراً والملائكة وعيسى ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ ونزل فى ابن الزبعرى : ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ﴾ وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال له : « ما أجهلك بلغة قومك إن الله تعالى قال : ﴿ وما تعبدون ﴾ ولم يقل : ومن تعبدون » يعنى أن أن ما للأصنام لأنها لغير العقلاء ، ولو أراد الملائكة وعزيراً وعيسى لقال : ومن تعبدون ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ما أجهلك بلغة قومك صحيح المعنى غير ثابت الرواية ، وسمى الله الأصنام وعبادها حصباً ، لأنهم يرمون لجهنم كما يرمى الحطب للنار ، وأصله الحجارة الصغار ، يرمى بها إنسان أو غيره كما قرأ جماعة : حطب جهنم بالطاء ، وعن ابن عباس الحصب الحطب بالزنجية ، وإنما يذكر فى القرآن من العجمة ما ذكره العرب منها أو ما ذكره الله عن أهلها .

﴿ أنتُم لَها واردونَ ﴾ مستأنف مؤكد لما قبله ، واللام بمعنى على أو للاختصاص ، أو لام تقوية على أن الورود متعد كقوله : ورودها ضعف وارد عن العمل ، لكونه وصفاً لا فعلا ، ولتقدم المعمول ، فقوى بها والورود ها الدخل والخطاب للكفرة ، أولهم ولما يعبدون تغليباً للعاقل ، وفى ورودها معهم زيادة غم ، إذ علموا أنها معهم ، ولا شأن لها كيف عبدناها حالها هذا ، وقد أضعنا عبادتها إذ لم تشفع لنا وعذبنا بها .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٨١