وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰۤئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِیهَا خَیۡرࣱۖ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَیۡهَا صَوَاۤفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٣٦
الرسم الإملائيّ
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الجزء ١٧الربع ١٣٤ صفحة ٣٣٦
تفسيرها
﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة ، الإبل ، لعظم بدنها ، مأخوذة من بدن ، و﴿جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ من أعلام دينه التي شرعها الله ، ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ ديني ودنيوي ، إن رعي بها أمر الله ، وإلا فعلى العكس ، وكذلك الدنيا وما فيها ، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن ، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت على الأرض ، وهو كناية عن الموت ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ الراضي بما عنده ، وبما يعطى من غير مسألة ، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المعترض بالسؤال وغيره ، ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ مع عظمها وقوتها ، حتى تأخذوها منقادة ، فتعقلوها وتحبسوها صافة قوائمها ، ثم تطعنون في لباتها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم بالقرب والإخلاص ، ومن لم يشكر فقد كفر.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٣١
قوله : ﴿ وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّنْ شَعَآئِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي : أجر في نحرها والصدقة منها ، تتقربون إلى الله .
قوله : ﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ ذكروا عن الحسن قال : مخلصين لله؛ فهي على هذا المقرإ [ غير ] مثقلة على هذا التفسير . وكان مقرأ الحسن - فيما ذكروا عنه- : صوافِيَ ، أي : صافية لله تعالى .
ذكروا عن مجاهد قال : ( صَوَآفَّ ) : معلقة قياماً .
ذكروا عن ابن عمر أنه كان ينحرها وهي قائمة ، تصف بين أيديها بالقيود؛ ويتلو هذه الآية : ﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ . وهي على هذا التفسير [ غير ] مخففة : صوافّ ، أي : مصفوفة بالحبال ، معقولة يدها اليمنى ، وهي قائمة على ثلاث ، كذلك ينحرها من نحرها في دار المنحر بمنى .
وهي قراءة ابن مسعود : ( صوافن ) . يعني مثل قوله تعالى : ﴿ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ ﴾ [ سورة ص : 31 ] ؛ يعني الفرس إذا صفن ، أي : رفع إحدى رجليه فقام على طرف الحافر .
ذكروا عن عمرو بن دينار قال : رأيت عبد الله بن الزبير على برذون له أشعر أوجرها الحربة وهي قائمة . قال : ورأيت ابن عمر ينحر البدن وهي باركة ، ورجل يعينه .
ذكروا عن عائشة بنت سعد [ بن مالك ] أن أباها كان ينحرها وهي باركة .
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر من بدنه بيده ثلاثاً وستين ، ثم أعطى علياً الحربة فنحر ما بقي .
ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن ينحرها استقبل بها القبلة ونزع عنها جلالها لكي لا تخضب بالدم ، وكان يحب أن يلي نحرها بنفسه .
قوله : ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ أي : إذا نحرت فسقطت جنوبها على الأرض من قيام أو بروك .
ذكروا عن القاسم بن محمد أنه كان إذا أراد أن ينحرها يصف بين أيديها وهي قائمة ، ويمسك رجل بخطامها ورجل بذنبها ، ثم يطعنها بالحربة ، ثم يجبذانها حتى يصرعاها ، وكان يكره أن تعرقب .
قوله : ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ ﴾ . قال بعضهم : القانع : القاعد في بيته لا يسأل الناس ، والمعتر الذي يتعرض لك يسألك؛ ولكل عليك حق .
وقال مجاهد : القانع : السائل الذي يقنع بما أعطى ، والمعتر : القاعد في بيته لم يشعر بما اعتراه . وقد فسّرنا إطعامهم في الآية الأولى .
قوله : ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي : لكي تشكروا .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٣١
﴿ والبُدْنَ ﴾ جمع بدنة بقرة أو بعير ذكر أو أنثى ، تنحر بمكة هديا كالضحية من الغنم ، وسميت لأنها تسمن ، ثم تهدى فهى عظيمة البدن ، روى مسلم عن جابر : كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل ، والبقرة فقال : هى من البدن وعن مجاهد والحسن ليست منها ، روى أبو داود عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم : « البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة » ويجمع بأن الأصل والأكثر استعمالها فى الإبل ، وقل فى البقر أو هى منها حكما فى الأجر لا لغة ﴿ جعلناها لكم من شعائر الله ﴾ علامات دينه ﴿ لكم فيها خير ﴾ دنيوى ودينى عند ابن عباس ، وعن السدى دينى ﴿ فاذْكُروا اسْم الله عَليْها ﴾ عند النحر باسم الله ، والله أكبر ، اللهم منك ولك ، وقال أبو حيان : الله أكبر لا اله الا الله ، والله أكبر اللهم منك وإليك . ﴿ صوافّ ﴾ كل واحدة قائمة صفت ثلاثة أرجل ، وتعقل اليد اليسرى عند الجمهور كما يفعله النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبى شيبة ، وأبو داود عن ابن ساقط الصحابى ، وعن ابن عمر اليمنى ، وعن عطاء أيهما شئت ، وهو حال من مجرور على ﴿ فإذا وََجبَت جُنُوبها ﴾ سقطت علىلأرض كناية عن الموت ، أو وجبت ثبتت بلا تحرك جنب منها ، وذلك موتها ، ولم تجر عادة بذبح البقر قائمة ، بل مضطجعة ، وقلما نحر البعير مضطجعا عند الأوائل فترجح أن البُدن الإبل .
﴿ فكُلُوا منْها ﴾ ثلثا ومنه الادخار للأكل ﴿ وأطْعمُوا القانع ﴾ ثلثا والمراد الجنس فشمل القانعين وما فوقهما ، وهو الراضى بما يعطى ، ولا يسأل أو بما عنده ، والفعل قنع يقنع كفرحت أفرح أو هو الساتر لفقره بعدم السؤال كالقناع الساتر للرأس ﴿ والمُعْترّ ﴾ ثلثا والمراد الجنس ، وهو التعرض للسؤال ، وهو يسأل : وقيل القانع السائل ، والفعل كسألت الله أسأله كقوله :
وما خنت ذا عهد وأبت بعهده … ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا
والمعتر المتعرض بلا سؤال ، وعن سعيد بن جبير ، القانع أهل مكة ، والمعتر غيرهم ، وعن مجاهد الجار ، ولو غنيا ، وقيل الصديق الزائر ، والصحيح الأول والقسمة بالثلث لابن مسعود ، وقيل عن محمد بن جعفر من ذرية فاطمة للقانع ، المعتر ثلث والأهلى ثلث ، واللبائس الفقير ثلث ، ويروى ادخر ثلثا ، وكل ثلثا وتصدق ثلثا ، وعن سعيد بن المسيب للبائس الفقير ، والقانع والمعتر ثلاثة أرباع ، ولك الربع قيل وهو مضطرب ، ولا يأكل مما هو كفارة .
﴿ كذلك ﴾ التسخير لها الذى شاهدتم حتى قويتم على عقلها ونحرها مع قوتها ﴿ سخرناها لكم ﴾ أثبتناها بعد ، ويبعد أن المعنى سخرناها لكم كما أمرناكم بذلك ، وإنَّما قلت ما ذكر ، لأأنه لا يشبه الشىء بنفسه ، أو أولى من ذلك أن يقال : سخرناها لكم على الكيفية التى شاهدتم ﴿ لعلَّكُم تشْكُرون ﴾ إنعامنا بالتقرب مخلصين ، ونفعها لكم ، ولا حاجة لله بها كما قال :
﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ فينتفع بها ، أو لن تصيب رضا الله ، بها تصيبونه بالتقوى كما قال : ﴿ ولكن يناله التَّقوى منْكُم ﴾ بجعلها من حلال ، وإخلاصها وقيل أرادوا بسط اللحم حول الكعبة ، ونضحها بالدم تعظيما لها كالجاهلية ، فنزلت الآية { كذلك سخَّرها لَكُم كرره تذكيرا للنعمة ، كقوله : أنعمت عليكم أنعمت عليكم فانتبهوا ، وتعليلا بقوله عز وجلّ : ﴿ لتكبِّروا الله ﴾ لتعتقدوا كبرياءه لقدرته على ما لا يقدر الخلق عليه ، فتوحدوه بصفاته وأفعاله ، أو لتقولوا الله أكبر عند الإحلالُ أو التذكية ﴿ عَلى ما هداكم ﴾ ما مصدرية ، والتقدير على هدايته إياكم متعلق بتكبروا لتضمنه معنى تشكروا أو تحمدوا ، أو التقدير لتكبروا الله شاكرين ، أو حامدين على هدايته إياكم أو على للتعليل .
﴿ وبشِّر المحسْنِين ﴾ العابدين الله بتوحيدهم له ، والإخلاص فى قولهم ، وفعلهم كأنهم يشاهدونه حاشاه عن إمكان مشاهدته .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٣١