أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ أَوۡ ءَاذَانࣱ یَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِی فِی ٱلصُّدُورِ٤٦
الرسم الإملائيّ
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
الجزء ١٧الربع ١٣٥ صفحة ٣٣٧
تفسيرها
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا ، وهم وإن كانوا قد سافروا لم يسافروا لذلك، ويحتمل هاهنا السير بتفكر القلوب في قصص الماضين ، ليعتبروا بما وقع منهم ، وبهم وفيهم ، ليحذروا مشاربهم ، ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يجب أن يعقل من التوحيد ، بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال ، ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يجب أن يسمع من الوحي ، والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم ، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ أبصار العيون ، فإنه لا يضر عماها عند الاستبصار ، ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن الاعتبار ، أي: ليس الخلل في مشاعرهم ، وإنما عميت بصائرهم باتباع الهوى ، والانهماك في التقليد ، وفصل التنبيه على أن العمى الحقيقي ، أو السمع الحقيقي ، ليس المتعارف الذي يخص البصر ، والسمع الظاهر.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤١
قوله : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ﴾ يعني المشركين ﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَو ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي : لو ساروا وتفكروا لعاينوا ما نزل بإخوانهم من الكفار فيتوبون لو كانت لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها . ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ ﴾ أي : إنما أوتوا من قِبَل قلوبهم . ولو أن رجلاً كان أعمى بعد أن يكون مؤمناً لم يضرّه شيء وكان قلبه بصيراً .
وقال بعضهم : إنما هذه الأبصار التي في الرؤوس جعلها الله منفعة وبلغة ، وأما البصر النافع فهو في القلب . وذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة .
ذكروا عن مجاهد قال : لكل عين ، يعني نفساً ، أربعة عيون : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لآخرته . فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً . وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه [ بصره ] شيئاً إذا عميت عينا قلبه . قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤١
﴿ أفَلَم يسيروا فى الأرْض ﴾ أمكثوا فلم يسيروا أو تقاعدوا عن اكتساب النظر الاعتبارى ، فلم يسيروا ، والاستفهام للأمر أى سيروا للنظر ، أو انظروا نظر اعتبار ، فعبر عنه بما توقف عليه وهو السير ، للإنكار أو التقرير ﴿ فتكونُ لَهُم قلوبٌ يعْقلُونَ ﴾ التوحيد أو ما يوجبه ﴿ بها ﴾ أى ليحصلوا سيراً فكون قلوب عاقلة لهم بلام الأمر داخلة ، على يحصلوا أو لم يكن لهم سير ، فكون قلوب عاقلة لهم ، وقد كانت لهم ، لكن غير عاقلة ، والعقل هنا ، وهو يحصل بالقلب ﴿ أو آذانٌ يسْمعُون بها ﴾ ما يوحى ، أو التوحيد أو إخباراً توجيه عن الأمم السالفة ممن يجاوزهم ، فإنه أعرف منهم بحال الأمم .
﴿ فإنَّها ﴾ أى القصة ، وكذا يؤنث ضمير الشأن إذا كان بعده مؤنث مسند أو مسند اليه ﴿ لا تَعْمى الأبصارُ ﴾ تعليل المحذوف أى عموا عن الراشد ، ولو كانت لهم عيون لأنه لا تعمى الأبصار ليس الضلال متوقفاً على عمى العيون ، فإنه كلا عمى بالنظر الى عمى القلوب ﴿ ولكن تَعْمى القُلُوب الَّتى فى الصدور ﴾ ينتفى عنها نور إدارك الحق الذى هو كنوز العيون ، ويقال لما نزل قوله تعالى : ﴿ ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى ﴾ قال بعد الله بن زائدة بن أم مكتوم : يا رسول الله لنا فى الدنيا أعمى ، أفأكون فى الآخرة أعمى؟ فنزل : ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ الخ جواباً له وتفريعاً بالفاء على ما قبله ، وروى أنه تعالى أوحى الى موسى عليه السلام : أن اتخذ نعلين من حديد وعصا ، ثم سح فى الأرض فاطلب الآثار والعبر ، حتى تحفى النعلان ، وتنكسر العصا ، فإما أنه لا يصح هذا ، لأن موسى لم يفعل ذلك ، وإما أن يراد به أن العبر كثيرة لا يحصرها بشر فى الأرض متفرقة فيها .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤١