لَعَلِّیۤ أَعۡمَلُ صَٰلِحࣰا فِیمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّاۤۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَاۤئِلُهَاۖ وَمِن وَرَاۤئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ١٠٠
الرسم الإملائيّ
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
الجزء ١٨الربع ١٣٩ صفحة ٣٤٨
تفسيرها
﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ متعلق بـ"يصفون" ، ﴿قَالَ﴾ تحسرا على ما فرط ، لما أن حق يقينه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ردوني إلى الدنيا. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ في الدنيا من العمل الواجب علي ، ﴿كَلَّا﴾ ردع عن طلب الرجعة ، واستبعاد لهم ، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ يعني قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُون…﴾ إلى آخره. ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ ولا ينالها لا محالة ، لتسلط الحسرة عليه عذابا ، وهو أهل له . روي عن الني صلى الله عليه وسلم :" إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا ؟ قال: إلى دار الهموم والأحزان ، بل قدوما إلى الله ، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون". قال قتادة:" ما تمنى أن يرجع إلى أهل وعشيرة ، ولا ليجمع الدنيا ، ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع ، فيعمل لطاعة الله ، فرحم الله امرء عمل فيما يتمناه". ﴿وَمِن وَرَائِهِم﴾ أمامهم﴿بَرْزَخٌ﴾ حائل بينهم وبين الرجعة ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة ، وهو قطع عن طمع الرجوع إلى الدنيا ، لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٣
قوله : ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ أي : فيما صنعت .
قال الله : ﴿ كَلآ ﴾ { أي : لست براجع إلى الدنيا . وهو مثل قوله : ﴿ وَأَنْفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّنْ قَبْلِ أَن يَّأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلآ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [ المنافقون : 10 ] .
قال : ﴿ كَلآ ﴾ ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ أي : هذه الكلمة : ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا احتضر الإِنسان جمع كل شيء كان له يمنعه من الحق فيجعل بين عينيه ، فيقول عند ذلك : ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ » .
قال : ﴿ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ . قال مجاهد : البرزخ ما بين الموت إلى البعث . وقال بعضهم : أهل القبور في البرزخ ، وهو الحاجز بين الدنيا والآخرة . وقال بعضهم : البرزخ ما بين النفختين .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٣
﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربِّ ارجعُون * لعلِّى أعمل صالحاً فيما تركتُ ﴾ حالهم الاستمرار على متابعة الوساويس الى ان ميوتوا فيقولوا : رب ارجعون الخ ، فاستعذ يا محمد أن تكون كذلك ، وهذا أولى من أن يكون من كلامه صلى الله عليه وسلم ، هكذا فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين وتحضرهم ، حتى إذ الح ، ويجوز تعليق هذا الكلام بقوله : ﴿ يصفون ﴾ بمعنى يدومون على وصفه صلى الله عليه وسلم بما لا يليق ، حتى إذا الخ ، وما بينهما معترض لتأكيد الإغضاء الذى تضمنه ادفع بالتى الخ ، ويبعد تعليقه بيصفون الأول ، أو يشركون ، أو لكاذبون لطول الفصل ، وردوا واو الجمع الى الواحد سبحانه تعظيماً له حين لا ينفع كقوله : ألا فارحمون يا إله محمد وقوله :
*وإن شئت حرمت النساء سواكم* … بكسر تاء شئت لأنثى الواحدة عظمها حتى كأنها جماعة ذكوراً ، والواو للملائكة كقوله عز وجل : ﴿ يوسف أعرض عن هذا أو استغفرى لذنبك ﴾ ويدل له ما روته عائشةى رضى الله عنها أنه اقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا له انرجعك الى الدنيا؟ » قال : الى دار الهموم والأحزان بل قدوماً الى ربى وأما الكافر فيقولون له : أنرجعك فيقول : رب ارجعون ولا يختصر طلب الرجعة عند الموت بالشرك ، فعن ابن عباس : أن مانع الزكاة ، وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت ، وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا حضر الانسان الموت جمع له كل شىء يمنعه عن الحق فيجعل عينيه » فعند ذلك يقول : « رب ارجعون لعلى أعمل صالحاً فيما تركت » .
وهذا يدل على أن المراد بما تركت فى الآية المال ونحوه من الدنيا ، وقيل الايمان والاولى التعميم فى كل واجب من فعل أو ترك ، والترجى راجع لذلك ، وقيل العمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع كقولك لعلى أقرأ على الصناعة ، أى أتعلمها وأقرا بها ، والمعنى اعمل صالحاً فى الايمان ، أى او من فى الدنيا ، وأعمل صالحا فى ذلك الايمان ، قال الله عز وجل له :
﴿ كلاَّ إنَّها ﴾ أى هذه القولة ، أو هذا الكلام ، وعليه فالتأنيث لتأنيث الخبر ﴿ كَلمةٌ هو قائلُها ﴾ لا يتركها ، ولا يتمنى غيرها ، وإطلاق الكلمة على الكلام لغة حقيقة ، وقيل مجار مشهور ﴿ ومن ورائهم ﴾ أمامهم أو هو على ظاهره لأن البعث شىء لازم لهم يتبعهم ﴿ برزخٌ ﴾ حاجز يمنعهم عن الرجوع ﴿ الى يوم يُبْعثون ﴾ زيادة إقناظ من الرجوع ، أى لا بد من البعث من هذه الموتة التي متم ، الا أن بينهما مرزخاً ، ولا يتبادر أن المعنى حاجز بينهم وبين العذاب التام الذى هو أشد من عذاب القبور .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٣