سورة المؤمنون · الآية ٩٩ من ١١٨

‹ السورة السابقة
حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ٩٩
الرسم الإملائيّ

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ

الجزء ١٨الربع ١٣٩ صفحة ٣٤٨

تفسيرها

[سورة المؤمنون — آية 99]

﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ متعلق بـ"يصفون" ، ﴿قَالَ﴾ تحسرا على ما فرط ، لما أن حق يقينه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ردوني إلى الدنيا. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ في الدنيا من العمل الواجب علي ، ﴿كَلَّا﴾ ردع عن طلب الرجعة ، واستبعاد لهم ، ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ يعني قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُون…﴾ إلى آخره. ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ ولا ينالها لا محالة ، لتسلط الحسرة عليه عذابا ، وهو أهل له . روي عن الني صلى الله عليه وسلم :" إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا ؟ قال: إلى دار الهموم والأحزان ، بل قدوما إلى الله ، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون". قال قتادة:" ما تمنى أن يرجع إلى أهل وعشيرة ، ولا ليجمع الدنيا ، ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع ، فيعمل لطاعة الله ، فرحم الله امرء عمل فيما يتمناه". ﴿وَمِن وَرَائِهِم﴾ أمامهم﴿بَرْزَخٌ﴾ حائل بينهم وبين الرجعة ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة ، وهو قطع عن طمع الرجوع إلى الدنيا ، لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٢

[سورة المؤمنون — آية 99]

قوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ . قال الحسن : ليس أحد من خلق الله ليس لله بولي إلا وهو يسأل الله الرجعة إلى الدنيا عند الموت بكلام يتكلّم به ، وإن كان أخرسَ لم يتكلّم في الدنيا بحرف قط ، وذلك إذا استبان له أنه من أهل النار سأل الله الرجعة إلى الدنيا ولا يسمعه من يليه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٢

[سورة المؤمنون — آية 99]

﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربِّ ارجعُون * لعلِّى أعمل صالحاً فيما تركتُ ﴾ حالهم الاستمرار على متابعة الوساويس الى ان ميوتوا فيقولوا : رب ارجعون الخ ، فاستعذ يا محمد أن تكون كذلك ، وهذا أولى من أن يكون من كلامه صلى الله عليه وسلم ، هكذا فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين وتحضرهم ، حتى إذ الح ، ويجوز تعليق هذا الكلام بقوله : ﴿ يصفون ﴾ بمعنى يدومون على وصفه صلى الله عليه وسلم بما لا يليق ، حتى إذا الخ ، وما بينهما معترض لتأكيد الإغضاء الذى تضمنه ادفع بالتى الخ ، ويبعد تعليقه بيصفون الأول ، أو يشركون ، أو لكاذبون لطول الفصل ، وردوا واو الجمع الى الواحد سبحانه تعظيماً له حين لا ينفع كقوله : ألا فارحمون يا إله محمد وقوله :

*وإن شئت حرمت النساء سواكم* … بكسر تاء شئت لأنثى الواحدة عظمها حتى كأنها جماعة ذكوراً ، والواو للملائكة كقوله عز وجل : ﴿ يوسف أعرض عن هذا أو استغفرى لذنبك ﴾ ويدل له ما روته عائشةى رضى الله عنها أنه اقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا له انرجعك الى الدنيا؟ » قال : الى دار الهموم والأحزان بل قدوماً الى ربى وأما الكافر فيقولون له : أنرجعك فيقول : رب ارجعون ولا يختصر طلب الرجعة عند الموت بالشرك ، فعن ابن عباس : أن مانع الزكاة ، وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت ، وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا حضر الانسان الموت جمع له كل شىء يمنعه عن الحق فيجعل عينيه » فعند ذلك يقول : « رب ارجعون لعلى أعمل صالحاً فيما تركت » .

وهذا يدل على أن المراد بما تركت فى الآية المال ونحوه من الدنيا ، وقيل الايمان والاولى التعميم فى كل واجب من فعل أو ترك ، والترجى راجع لذلك ، وقيل العمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع كقولك لعلى أقرأ على الصناعة ، أى أتعلمها وأقرا بها ، والمعنى اعمل صالحاً فى الايمان ، أى او من فى الدنيا ، وأعمل صالحا فى ذلك الايمان ، قال الله عز وجل له :

﴿ كلاَّ إنَّها ﴾ أى هذه القولة ، أو هذا الكلام ، وعليه فالتأنيث لتأنيث الخبر ﴿ كَلمةٌ هو قائلُها ﴾ لا يتركها ، ولا يتمنى غيرها ، وإطلاق الكلمة على الكلام لغة حقيقة ، وقيل مجار مشهور ﴿ ومن ورائهم ﴾ أمامهم أو هو على ظاهره لأن البعث شىء لازم لهم يتبعهم ﴿ برزخٌ ﴾ حاجز يمنعهم عن الرجوع ﴿ الى يوم يُبْعثون ﴾ زيادة إقناظ من الرجوع ، أى لا بد من البعث من هذه الموتة التي متم ، الا أن بينهما مرزخاً ، ولا يتبادر أن المعنى حاجز بينهم وبين العذاب التام الذى هو أشد من عذاب القبور .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٧٢