لَّیۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِیضِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُوا۟ مِنۢ بُیُوتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ ءَابَاۤئِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥۤ أَوۡ صَدِیقِكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُوا۟ جَمِیعًا أَوۡ أَشۡتَاتࣰاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ٦١
الرسم الإملائيّ
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
الجزء ١٨الربع ١٤٣ صفحة ٣٥٨
تفسيرها
﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ، وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ، وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ إذا علم رضى صاحب البيت بإذن أو قرينة ، ﴿ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ، ويدخل فيها بيوت الأولاد ، لأن بيت الولد كبيته على قوله عليه الصلاة والسلام :" أنت ومالك لأبيك" ، ﴿ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من صنعة أو غيرها ، وكالة أو حفظا ، ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم ، وأسر به ، ولذلك خصص هؤلاء ، فإنه يعتاد التبسط بينهم ، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ، فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ وذلك يعم البيوت والمساجد عامة ، وذلك أدب من الله وتعليم ، فإذا دخل الرجل بيت نفسه ، فليقل:" السلام علينا من ربنا ، والحمدلله رب العالمين ". حتى قيل: إن تركه تهاونا واستخفافا بأدب الله هلك. ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ ، لأنها ترجى بها زيادة الخير والثواب ، ﴿ طَيِّبَةً﴾ وقيل: ذكر البركة والطيب هاهنا لما فيه من الثواب والأجر ، ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ الخير في الأمور.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٢
قوله : ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ قال الكلبي : إن أهل المدينة قبل أن يسلموا كانوا يعتزلون الأعمى والأعرج والمريض ولا يواكلونهم . وكانت الأنصار فيهم تنزّه وتكرّم ، فقالوا : إن الأعمى لا يبصر طيّب الطعام ، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام ، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح ، فاعزلوا لهم طعامهم على ناحية ، وكانوا يرون أن عليهم في مواكلتهم جناحاً . وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون : لعلّنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم ، فاعتزلوا مواكلتهم ، فأنزل الله : ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أي : ليس عليكم حرج في ذلك ولا على الذين تأثموا من أمرهم ، ليس عليهم في ذلك حرج .
وبعضهم يقول : كان قوم من أصحاب النبي عليه السلام يغزون ويخلفون على منازلهم من يحفظها ، فكانوا يتأثَّمون أن يأكلوا منها شيئاً . فرخّص لهم أن يأكلوا منها .
وقال بعضهم : كانوا يخلفون عليها الأعمى والأعرج والمريض والزمني الذين لا يخرجون في الغزو فرخّص لهم أن يأكلوا منها .
وقال بعضهم : مُنِعت البيوت زماناً؛ كان الرجل لا يتضيّف أحداً ولا يأكل في بيت أحد تأثماً من ذلك .
[ قال يحيى بلغني أن ] ذلك كان حين نزلت هذه الآية : ﴿ يَآأيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ ﴾ [ النساء : 29 ] فكان أول من رخَّص الله له الأعمى والأعرج والمريض ، ثم رخص الله لعامّة المؤمنين؛ فقال :
﴿ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقكُمْ ﴾ فلا بأس أن يأكلوا من بيوت هؤلاء بغير إذن .
قوله : ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ ﴾ قال بعضهم : هم الذين خُلِّفوا على تلك المنازل وجعلت مفاتحها بأيديهم .
وقال بعضهم : هم المملوكون الذين هم خزنة على بيوت مواليهم . قال الحسن : ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ ﴾ أي : خزائنه ، أي : مما كنتم عليه أمناء .
قوله : ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ [ قال قتادة : فلو أكلت من بيت صديقك عن غير مؤامرته لكان الله قد أحل لك ذلك ] .
ذكروا عن الحسن أنه سئل عن الرجل يدخل بيت أخيه ، يعني صديقه ، فيخرج صاحب البيت ، فيرى صديقه الشيء من الطعام في البيت ، أيأكله بغير إذنه؟ فقال : كُلْ من طعام أخيك .
قال الحسن [ بن دينار ] : كنا في بيت قتادة ونحن جماعة فأُتينَا ببُسر ، فتناول رجل من القوم بسرات فأمسكهن ، ثم قال : يا أبا الخطاب ، إني قد أخذت من هذا البسر . فقال : هو لك حلال وإن لم تذكره لي ، لأنك مؤاخيّ .
قال بعضهم : لم يذكر الله في هذه الآية بيوت الابن ، فرأيت أن النبي عليه السلام إنما قال للابن : أنت ومالك لأبيك من هذه الآية؛ لأنه قال : ﴿ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ولم يقل : أو بيوت أبنائكم . ثم ذكر ما بعد ذلك من القرابة حتى ذكر الصديق ولم يذكر الابن .
قوله : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ قال بعضهم : كان بنو كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أنّ محرّماً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية ، حتى أن الرجل لَيَسوق الذَّوْدَ الحُفَّل وهو جائع فلا يأكل أو يشرب حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله هذه الآية .
قوله : ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي : لكي تعقلوا . أي : إن دخل على قوم سلّم عليهم ، وإن كان رجل واحد سلّم عليه .
قوله : ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ أي : على إخوانكم ، أي : يسلّم بعضكم على بعض .
وإذا دخل الرجل بيته سلَّم عليهم . [ وقال قتادة : إذا دخلت فسلّم على أهلك فهم أحق من سلّمت عليه ، فإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنه كان يؤمر بذلك ، حدثنا أن الملائكة ترد عليه ] .
وإذا دخل الرجل المسجد قال : بسم الله ، سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك . فإن كان مسجداً كثير الأهل سلَّم عليهم ، يُسمع نفسَه ، وإن كان قليل الأهل سلّم عليهم ، يُسمعهم التسليمَ ، وإن لم يكن فيه أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام علينا من ربّنا .
وإذا دخل بيتاً غير مسكون مما قال الله : ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ وهي الفنادق ينزلها الرجل المسافر ويجعل فيها متاعه ، فإذا دخل البيت قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام علينا من ربنا .
[ خالد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« يسلّم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير » .
وقال أيضاً : « يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والقليل على الكثير » .
[ قال يحيى : يعني ] ويسلم راكب الدابة على راكب البعير ، ويسلم الفارس على صاحب الحمار والبغل .
وقال بعضهم : إذا سلّم رجل على القوم فردّ رجل منهم أجزأ عنهم ، وإذا كانوا ناساً فسلم رجل منهم على المجلس أجزأ عنهم .
وكان الحسن يقول : كان النساء يسلّمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء . وكان ابن عمر يسلّم على النساء ، وغير واحد من السلف أنهم كانوا يسلّمون على النساء .
قال بعضهم : إذا كان النساء على الطريق فلقيهن الرجل جلس النساء ويسلم الرجل ، وإن كانت فيهم امرأة فدخلت ردّت السلام على الرجال من بينهن ، وكان ردها السلام عمن بقي منهن .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بغلمان فسلّم عليهم .
ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « السلام اسم من أسماء الله » .
ذكروا عن ابن مسعود قال : السلام اسم من أسماء الله ، وضعه الله في الأرض ، فأفشوه بينكم ، فإن المرء إذا مر بالقوم ، فسلم عليهم ، فردوا عليه كانت له عليهم فضيلة ودرجة بأنه ذكرهم السلام ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب ، وهم الملائكة عليهم السلام .
ذكروا أن رجلاً كان يمشي مع أبي هريرة قال : فمررنا بقوم فسلّمنا عليهم ، قال : فلا أدري أشغلهم الحديث أو ما منعهم أن يردّوا السلام ، فقال أبو هريرة : سلام ربي والملائكة أحبّ إليّ .
ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « للمسلم على المسلم من المعروف ست خصال : يسلم عليه إذا لقيه ، ويشمّته إذا عطس ، ويجيبه إذا دعاه ، ويعوده إذا مرض ، وينصح له إذا غاب أو شهد ، ويشهد جنازته إذا مات » .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٢
﴿ ليس على الأعْمى ﴾ بعينيه معاً ، ويلتحق به ضعيف البصر والأعور اذا كان عوره مؤذياً له ﴿ حَرجٌ ﴾ ضيقٌ شرعى بأن يحكم بالذنب على هؤلاء ، وأصله مجتمع الشىء كالأغصان الملتفة ﴿ ولا على المريض ﴾ بأى مرض معطل عن الغزو ، أو يزداد به أو يطول به أو يستذر به ﴿ حرجٌ ﴾ فى أن لا يغزوا ، وفى أن يأكلوا مع الناس ، ولو كانت فيهم رائحة تكره لمرض أو صنان أو وسخ فى العين أو الأنف يبدوا ويأكلوا أكثر ، أو يأخذ الأعرج لعرجه زيادة موضع ، وفى أن يأكلوا من مال من جرهم اليه من قصدوه ، إذ كانوا يأتوه رجاء للأكل ، فلا يجد ما يطعمهم فيأتى بهم الى أبيه أو أمه أو نحوهما عمن يرجون معه ، فيتحرجون وفى أن يأكلوا ممن خرج غازياً ، وتركهم على طعامه أو ماله ، فنزلت .
وإن كان الاصحاء يتحرجون عن الأكل مع هؤلاء أى لا يستوفون الأكل كالأصحاء ، فعلى بمعنى فى أى ليس فى مواكلة الأعمى أو للتعليل لا لمواكلة الأعمى او على ظاهر ، أى لا حرج على مواكلة الأعمى كما يقلل : لا عقاب على فعل كذا ، أى لا يبنى عقاب على ذلك ، أو متعلق الحرج هو قوله : ﴿ أن تأكلوا ﴾ من قوله : ﴿ ولا على أنْفُسهم ﴾ أيها الأصحاء حرج ﴿ أن تأكلوا ﴾ ايها الطوائف الثلاث والأصحاء ، وهو ضعيف ، لأن عموم الخطاب فى تأكلوا وما بعده للطوائف الثلاث تأباه غيبتهم فى قوله : ﴿ ليس على الأعمى ﴾ والصحيح أن الكلام تم فى حرج ، وذكر كلاماً آخر بقوله : ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ .
﴿ من بيُوتِكُم ﴾ أنتم ومن معَكُم ، وذكر الأنفس إثارة الى معنى عليكم ، وعلى من فى مثل مالكم ، وفيه استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه ، فأولى منه لسلامته من ذلك أن يكون ذكره اشارة الى أن الأكل المذكور ، مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن ، كما كثر ذكر النفس فى ذى الشأن مثل : ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ وقوله تعالى : ﴿ حرمت الظلم على نفسى ﴾ ﴿ أو بُيُوت آبائكم أو بيوت أمَّهاتكم ، أو بُيُوت إخَّوانكم أو بُيُوت أخَواتكم أو بُيُوت أعمامكم أو بُيُوت عمَّاتِكم أو بيُوت أخوالكُم أو بُيُوت خالاتكم ﴾ كان هؤلاء من أب وأم ، أو أحدهما أو من الرضاع ﴿ أو ما ملكتُم مَفَاتحهُ ﴾ كناية عن الكون تحت اليد من بستان أو نعم ، بوكالة أو حفظ ، يأكل ويؤكل ، ولا يحمل ولا يدخر ، قاله ابن عباس ، وكذا سائر الطعام وغيره ، كما قال السدى ، والأولاد دخلوا لأن بيوتهم بيوت لآبائهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « أن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وأن ولده من كسبه »
وقال : « أنت ومالك لأبيك » وقيل : من بيوكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين فى بيوتكم ، وقيل : ما ملكتم مفاتحه عبيدكم عبر عنهم بما تشبيها بالجماد ، أو بالحيوانات والمفاتح جمع مفتح بدون ألف وقيل : مفتاح بالألف ، حذفت فى الجمع ياء .
﴿ أو صديقكم ﴾ أى أو صديق يؤكل واحد منكم ، ممن له صديق ، وقيل : يقع على الجماعة كما يقع على المفرد والاثنين ، لأنه بوزن مصدر السير والصوت ، وعلى كل حال لم يقل أصدقائكم اشارة الى قلة الصديق حتى قيل :
صاد الصديق وكاف الكيمياء معا … لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا
والى ان الاثنينية مرتفعة كأنهما واحد فى الأكل وهو أرضى بالتبسط من ذوى القرابة ، وهو من يصدق فى مودتك وتصدق فى مودته ، أو ولو لم تصدق أنت ، وقد استغاث الناريون بالصديق لا بالولد ، أو بالوالد فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم ، وقد جعله الله عز وجل مع النفس والأخ والأب ، قال أفلاطون : لا أحب أخى الشقيق إلا إذا كان صديقى ، وصديقى أحب الى من أخى .
والآية باقية على اطمئنان النفس من صاحب المال ، كما فعلت الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم ، يدخل دار صديقه باستئذان فيسأل جاريته عن كيسه فتعطيه فيأخذ ما شاء ، فإذا جاء وأخبرته أعتقها سروراً ، ودخل أصحاب الحسن داره باستئذان ، وأكلوا أطيب طعامه ، فدخل فاستنار وجهه فرحا فقال : هكذا وجدناهم يفعلون ، يعنى الصحابة ، فلا نسخ لحديث : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس » لأنا قد اشترطنا للآية الاطمئنان ، ويدرأ الحد عمن أكل من مال هؤلاء عندى ، لأنه يدخل جهراً بلا إذن ولا يبالى ، وإن كان فيه ساكن استأذن ، وليس ذلك سرقة وكأنه قيل : هل نفى الحرج فى الأكل من بيوت هؤلاء إذا كان مع أهل تلك البيوت أم مطلقا فنزل :
﴿ ليس عليكُم جناحٌ أن تأكُلُوا جَميعاً ﴾ مجتمعين ﴿ أو أشْتاتاً ﴾ جمع شتيت شذوذاُ ، أو جمع شت وهو الأصح مصدر بمعنى الوصف ، لا مبالغة إذ لا يوجد فوق الانفراد شىء يسمى شتيتاً يبالغ اليه ، وقيل الآية مستأنفة فى تشديدهم على انفسهم ان لا يأكلوا منفردين ، كان بنو ليث بن عمرو بن كنانة يمكث أحدهم يوماً ، او أكثر لا يأكل حتى يجد ضيفاً يأكل معه ، وقد وجد الطعام بين يديه من الغد ، والى الرواح ، وأكثر إبله جعل باللبن فلا يشرب حتى يمسى ، ولم يجد من يشرب معه فيشرب ، وكان الخليل عليه السلام لا يأكل حتى يمشى ميلا فى طلب من يأكل معه اتخذه خليلاً لذلك فى قول .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « شر الناس من أكل وحده ، وضرب عبده ومنع رفده » ففى ذم البخل ، وكان قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لم يأكلوا إلا معه ، ويدخل الغنى على الفقير يأكل فيدعوه للأكل ، فيقول لا أزاحمك فى طعامك وأنا غنى ، وإذا حضر الأعمى الأكل عزلوا له سمهمه لئلا يأكلوا أكثر منه ، أو الجود دونه ، وكانوا يأكلون فرادى أيضاً خوفاً أن يأكلوا أكثر من صاحبه ، أو أن يحصل من احدهم ما ينفر الآخر مثل الزكام والحكة ، فنزلت الآية نهيا عن ذلك .
﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أردتم دخولها ، والمراد قيل البيوت المذكورة بدليل الفاء ، ويقاس عليها غيرها ، وصرح النبى صلى الله عليه وسلم بغيرها ، ووجه التنكير أن المعتاد دخول ثلاثة منها أو أكثر لأكلها أو اعتبر كل بيت يدخله ﴿ فسلِّمُوا على أنْفُسكم ﴾ أى على أهلها ، جعل أهل البيت كنفس الداخل لشدة الاتصال فى الحب للدين الحق ، حتى إنه أبيح الأكل من مال أهلها ، كأنه مال الداخل ، ويبعد ما قيل : إنه قال : ﴿ على أنفسكم ﴾ لأنك إذا سلمت رد عليك السلام بسلامك ، فكأنك سلمت على نفسك أو البيوت المساجد ، أو بيوت الداخلين ، أو بيوت الكفار ، أو كل الثلاثة ، فالأنفس على ظاهره ، فقد ورد أن داخل المسجد يقول : السلام علينا من ربنا ، وعلى عباد الله الصالحين ، وأنه إذا دخل بيتاً لا أحد فيه يقول : السلام علينا من ربنا ، وأن إذا دخل بيت الكافر قال : السلام علينا من ربنا ، وشهر السلام على من اتبع الهدى ، وقد يقال هذا المشهور يعمل به فى غير البيوت ، والمأخوذ به أن لا يسلم على أهل الذمة .
قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقوكم فى الطريق فاضطروهم الى أضيقها » قال على : لا تسلموا على اليهود والنصارى والمجوس ، وفى الحديث : « إذا سلم عليكم أهل الكتاب فلا تزيدوا على قولكم وعليكم » قال بعض قومنا : إذا مررت بقوم فيهم مؤمنون وكفار فقل : السلام عليكم ، تريد المؤمنين ، أو قل السلام على من اتبع الهدى ، وإذا أدت كتابة الى مشرك فاكتب : السلام على من اتبع الهدى ، وزعموا عن أبى أمامة الباهلى أنه لا يمر على كتابى إلا سلم عليه ، وأنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بافشاء السلام على كل مؤمن ومعاهد .
وعن ابن مسعود : انه صحب دهاقين من المشركين فى السفر ، فلما دخلوا الكوفة افترق معهم فسلم عليهم ، فقيل له ، فقال : إن لهم حق الصحبة والسلام السلامة ، يدعى بها وإن أريد اسم الله سبحانه فليعن أن الله علكيم رقيب .
﴿ تحيَّة ﴾ مفعول مطلق لسلموا ، كقمت وقوفاً ، وأصله الدعاء بالحياة ، واستعمل لكل خير ﴿ مِنْ عِنْد الله ﴾ نعت تحية أو متعلق به ، والأول أولى ﴿ مباركة ﴾ يكثر خيرها وأجرها بعشر حسنات ، ومع الرحمة بعشرين ، ومع البركة بثلاثين ﴿ طيِّبةً ﴾ حسنة يطيب بها نفس السامع وزاده بعض فى التحية ، وأول التحيات مأخود من الآية كما قال ابن عباس ﴿ كذلك يُبين اللهُ لَكُم الآيات لعلَّكُم تعْقلُونَ ﴾ ما فيها من الشرائع والأحكام ، وتعلمون بها ، وفى الأثر إذا دخلت على أهل بيتك فسلم عليهم ، وإن لم يكن فى البيت أحد فقل : السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين ، لأن الله تعالى قال :
﴿ فاذا دخلتم بيوتاً فسلِّموا على أنفُسكم تحيةً من عند الله ﴾ والآية تقتضى الأمرين جميعاً ، التسليم على الأهل إن كان فيه أحد ، وعلى نفسه إن لم يكن فيه أحد ، وعن قتادة إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنه يؤمر بذلك ، وإن كان فيه أحد فأهلك أحق بسلامك ، قال ابراهيم المخعى : إذا دخلت بيتك وسلمت قال الشيطان : لا مقيل لى ، وإذا سمى على طعامه قال : لا مقيل ولا مطعم ، وإذا سمى على شرابه قال : لا مقيل ولا مطعم ولا مشرب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٢