سورة النور · الآية ٦٢ من ٦٤

‹ السورة السابقة
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰۤ أَمۡرࣲ جَامِعࣲ لَّمۡ یَذۡهَبُوا۟ حَتَّىٰ یَسۡتَءۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَءۡذِنُونَكَ أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَءۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ٦٢
الرسم الإملائيّ

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الجزء ١٨الربع ١٤٣ صفحة ٣٥٩

تفسيرها

[سورة النور — آية 62]

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والأعياد ، والحروب ، والمشاورة في الأمور ، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة ، ﴿ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ جعل الاستئذان علامة للإيمان . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كان المنافقون يتفرقون من غير إذن ، ﴿ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ ما يعرض لهم من المهام ، ﴿ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ تفويض للأمر إلى رأي الرسول ، وكأن المعنى: فأذن لمن علمت أن له عذرا ، ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ لزلاتهم وصغائرهم ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٣

[سورة النور — آية 62]

قوله : ﴿ إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أي : الجمعة والعيدين والاستسقاء وكل شيء تكون فيه الخطبة ﴿ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ ﴾ أي : يستأذنوا الرسول عليه السلام . ﴿ إِنَّ الذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ أُولَئِكَ الذِينَ يُؤمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي : مصدّقين بالله ورسوله ، عاملين بجميع فرائضه ، غير منافقين ولا منتقصين لشيء من فرائض الله التي فرضها عليهم .

﴿ فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ يريد الغائط والبول ، ولكن الله كنَّى عن ذلك ﴿ فَأْذَن لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ وقد أوجب الله على النبي والإِمام بعده أن يأذن لهم ، ولكن الله أراد بذلك إكرام النبي عليه السلام وإعظام منزلته . فإذا كانت لرجل حاجة قام حيال الإِمام ، وأمسك بأنفه وأشار بيده .

قال : ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قال بعضهم : إنها نسخت الآية في براءة : ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ ﴾ [ التوبة : 43 ] . وهي عنده في الجهاد ، لأن المنافقين كانوا يستأذنونه في المقام عن الغزو بالعلل الكاذبة ، فرخّص الله للمؤمنين أن يستأذنوه إذا كان لهم عذر .

وبعضهم يقول : ﴿ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أمر طاعة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٣

[سورة النور — آية 62]

﴿ إنما المؤمنون الَّذين آمنوا بالله ورَسُولِه ﴾ وعطف على الصلة قوله جل جلاله : ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتَّى يستأذنوهُ ﴾ لأنه إذا لم يكن جواب الشرط إنشاء جاز التقييد به ، فيكون أداة الشرط ، وشرطها وجوابها خبراً للمبتدأ او لناسخ أو مفعولا ثانياً لما يدخل على المبتدأ أو الخبر ، أو ثالثاً وحالاً ونعتاً وصلة ، كما هنا كأنه قيل : الجامعون بين الايمان بالله ورسوله ، وبين الاستئذان إذا أرادوا الذهاب عن أمره الجامع .

﴿ إنّ الذين يستأذنونَكَ ﴾ فى الذهاب ، وفى كل ما يجب فيه الاستئذان ﴿ أولئك الذينَ يومنُونَ بالله ورسُولِه ﴾ وأما من لا يستأذنك فإيمانه كلا إيمان ﴿ فإذا استأذَنُوك ﴾ استأذنك أصحابك ﴿ لبَعْض شأنهم ﴾ لبعض مهماتهم أن يذهبوا إليه ﴿ فإذن لمنْ شئتَ منْهُم ﴾ ، ولا تأذن لمن لم تشأ ، وإن شئت فأذن له أيضاً ، وهذا تفويض فى الاجتهاد ، وهذا شامل بالقياس للمجتهد بعده صلى الله عليه وسلم ، لأن اختيار ما شاءه صلى الله عليه وسلم ، أو شاءه المجتهد بعده قصد للصواب ، وتحر له ، لا حظ له ولا تشه ، فالنبى صلى الله عليه وسلم فوض أن يجتهد فيمن يصلح ان يأذن له ، ومن لا يصلح ، وأما أن يقال : أحكم بما شئت بلا تحر ، فلا يجوز إلا إن استوى الأمران ، ولم يمكن الترجيح بوجه ما ، وإن استويا كذلك ، فإن مالت النفس لأحدهما فهو الذى يتركه إذ مالت إليه لغير أمر شرعى ، واختلف إن قيل : احكم بما شئت تشهيا ألا يجوز أم يجوز أم للنبى خاصة ، ولم يقع منه أو وقع أقوال .

﴿ واستغفر لهم الله ﴾ لأنهم أطاعوك واستأذنوك ، وهل جزاء الاحسان إلا الاحسان ، أو لأن الاستئذان ، ولو لعذر قوى لا يخلوا من شائبه أمر دنيوى ولو بالفرح للإذن ، إذ لم يحزنوا لذلك سائر الأمة ، ومن تولى الأمر لوجه الله مخلصاً ، ويستأذن قطعاً فى الانصراف عن الغزو ﴿ إنَّ اللهَ غَفورٌ رحيمٌ ﴾ يقبل الإعذار .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٣