لَّا تَجۡعَلُوا۟ دُعَاۤءَ ٱلرَّسُولِ بَیۡنَكُمۡ كَدُعَاۤءِ بَعۡضِكُم بَعۡضࣰاۚ قَدۡ یَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ یَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذࣰاۚ فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ أَن تُصِیبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ یُصِیبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمٌ٦٣
الرسم الإملائيّ
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الجزء ١٨الربع ١٤٣ صفحة ٣٥٩
تفسيرها
﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جوار الإعراض والمساهلة في الإجابة ، والرجوع بغير إذن ، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة ، والرجعة بغير إذن محرمة ، وقيل: لا تجعلوا نداءه وتسمته كنداء بعضكم بعضا باسمه ، ورفع الصوت به ، والنداء وراء الحجرة ، ولكن بلقبه المعظم مثل: يا نبي الله ، ويا رسول الله ، مع التوقير والتواضع ، وخفض الصوت ، ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ يتسللون قليلا قليلا ملاوذة ، بأن يستتر بعضهم ببعض ، حتى يخرج ، أو لواذا ببعض المعاذير الكاذبة ، كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ ، ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ محنة في الدنيا ، ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة ، واستدل به على أن الأمر للوجوب.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٤
قوله : ﴿ لاَّ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ أي : لا تقولوا : يا محمد ، ولكن قولوا : يا رسول الله ، ويا نبي الله ، في لين وتواضع وتودّد .
أمرهم الله أن يعظّموا الرسول ، ويعظّموا حرمته ولا يستخفوا بحقه ، وأمرهم أن يجيبوه لما دعاهم إليه من الجهاد والدين .
قوله : ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً ﴾ أي : فراراً من الجهاد في سبيل الله ، يعني المنافقين ، يلوذ بعضهم ببعض استتاراً من النبي عليه السلام حتى يذهبوا .
قال : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي : عن أمر الله ، يعني المنافقين ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي : بلية ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي : وجيع . أي : أن يستخرج الله ما في قلوبهم من النفاق حتى يظهروه ويتباينوا به ، فيصيبهم بذلك العذاب الأليم ، أي : القتل .
هو كقوله : ﴿ لَئِن لَّمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ ﴾ وكل هؤلاء منافقون ، لئن لم ينتهوا ويكفوا عن إظهار نفاقهم وإرجافهم ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ يا محمد ﴿ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ ﴾ أي : في المدينة ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ الأحزاب : 60 ] ثم قال : ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ﴾ [ الأحزاب : 61 ] قال : ﴿ سُنَّةَ الله فِي الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ﴾ [ الأحزاب : 62 ] أي : من قبلك يا محمد من الأنبياء ، يقول : هكذا كانت سنة الله في منافقي أمتك : القتل إن لم ينتهوا ويكفوا؛ فانتهوا وكفّوا ، فكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٤
﴿ لا تجعلُوا دُعاء الرسول ﴾ إياكم الى شىء فعلاً كان أو تركا ﴿ بنَكم ﴾ متعلق بتجعلوا ، أى لا تعتقدوا فيما بينكم أيها المؤمنون ، وكل واحد منهى عن ذلك الاعتاقد ، فالنهى متوزع فيهم أو فيما بينكم وبينه صلى الله عليه وسلم ، فالكاف على هذا له ولهم أو فيهم أو فى أمر هو بينكم ، ﴿ كدُعاءِ بعضِكُم بعْضاً ﴾ الى فعل شىء أو تركه ، فإذا دعاكُم فلا تقعدوا ، وإذا أجبتم فلا تنصرفوا إلا بإذنه ، أو لا تعتقدوا بينكم أن دعاء الرسول ربه كدعاء صغيركم كبيركم ، وفقيركم ، غنيكم ، وجيب ويرده ، فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم ربه مستجاب غالباً ، والرد قليل أو مستجاب كله ، إما بنفسه أو عوضه كما دعا ربه أن لا يذيق أمته بعضاً بأس بعض ، وأذاقها وعوضها للآخرة خيرا مما طلب وصرف البلاء والشفاعة ، وثواب المصائب او لا تعتقدوا دعاءه بينكم ، أو بينكم وبينه كدعاء بعضكم بعضاً يا زيد يا عمر ، ولا تقولا : يا محمد ويا ابن عبد الله ، بل يا رسول الله ويا نبى الله ، واختلف فى يا أبا القاسم ، فنهى عنه ابن عباس ، وأجازه بعض وذلك فى حياته وبعد موته .
﴿ قد ﴾ للتحقيق ، ولا حاجة الى جعلها للتكثير حقيقة أو استعارة للفظ القلة للكثرة ، ولا الى جعلها لتقليل المتسللين فى جنب معلوماته ﴿ يعْلم الله الَّذين يتسَلَّلون منكم ﴾ يخرجون قليلا قليلا عن الخطبة فى خفة وخفاء ، ومن للتبعيض او للابتداء ﴿ لِواذاً ﴾ مفعول مطلق على حذف مضاف ، أى تسلل لواذا ، وتضمين يتسلل معنى يلاوذ ، أو حال أى ذوى لواذا ، أو ملاوذين ، واللواذ والملاوذة المساترة ، يشير بعض المؤمنين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لنحو رعاف فيلحقه منافق يوهم أنه من اتباعه ، أو يشير منافق بنخو رعاف كذبا فيأذن له فقد يتبعه غيره كذلك ، والخطبة ثقيلة على المنافقين ، وصحت الواو بعد كسرة لصحتها فى الفعل ، وهو لاوذ ، ويلاوذ ، ولو كان فعالا من لاذ يلوذ لقيل لياذا بقلبها ياء الكسرة قتلها ، لأنها أعلت فى الماضى ، وكذا لو كان مصدراً للاذ الثلاثى كقيام .
﴿ فليحذر الَّذين يخالفُون عن أمره ﴾ يعرضون أو يتباعدون أو يحيدون ، أو يخرجون ، ولذلك تعدى بعن ، وأصله التعدى بنفسه ، وذلك أولى من أن يبقى على ظاهره ، وأن تجعل عن زائدة فى مفعوله ، والهاء لله عز وجل أو للرسول ، والأمر الطلب فى الوجهين ، ويجوز تفسيره بالشأن على أن الضمير للرسول ، والآية على العموم حتى إنها شاملة لمن لا يسلم من الرجال أو النساء عند إرادة الدخول فى بيوت الناس ﴿ أن تصيبهم فتنةٌ ﴾ بلاء فى الدنيا أو قتل أو جور سلطان أو قتل ﴿ أو يُصيبَهُم عذابٌ أليمٌ ﴾ فى الآخرة ، أو الفتنة غير القتل ، والعذاب القتل ، وهو ضعيف لعدم تبادر ارادة القتل بالعذاب ، وأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع لجواز أن يصيبهم ذلك كله ، والآية دليل على أن الأمر المطلق للوجوب لأن قوله : أمره بمعنى ضد النهى ، أو ما يشمل النهى ، بل النهى أمر أيضاً ، لأنه أمر بالترك ، وقد فسرته بالطلب ، والطلب يشمل طلب الفعل ، وطلب الترك ، فإذا كان مخالفة طلبه توجب الفتنة أو العذاب الأليم ، تبين أن ذلك الطلب إيجاب ، وإذا كان الأمر غير مطلق بأن صرفه دليل الى الندب أو نحوه ، مما ليس وجوباً فليس للوجوب ، وإن جعلنا الأمر واحد الأمور وهو ما تقدم فى الايات فلا دليل إلا ان هذا ضعيف .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٥٤