سورة النمل · الآية ٢٠ من ٩٣

‹ السورة السابقة
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّیۡرَ فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَاۤئِبِینَ٢٠
الرسم الإملائيّ

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ

الجزء ١٩الربع ١٥١ صفحة ٣٧٨

تفسيرها

[سورة النمل — آية 20]

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ وتعرف الطير ، ﴿فَقَالَ : مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ لنجعلنه في (لعله) قفص مع ضده ، وقي: أضيق السجون ، معاشرة الأضداد . ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لتيعتبر به أبناء جنسه ، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة تبين عذره. ولو لم يظهر سليمان الهيبة لجنوده لما استقاموا له طوعا.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٩

[سورة النمل — آية 20]

قوله : ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لآ أَرَى الهُدْهُدَ ﴾ أي : أحاضر هو فلا أراه ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ الغَآئِبِينَ ﴾ أي : أم هو غائب .

قال بعضهم : ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا الهدهد ، وكان سيد الهداهد ، ليعلم له مسافة الماء ، وكان قد أعطى من البصر بذلك شيئاً لم يعطه غيره من الطير .

وقال الكلبي : كان يدله على الماء إذا نزل الناس . كان ينقر بمنقاره في الأرض ، فيخبر سليمان كم بينه وبين الماء من قامة .

ذكروا أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس لِمَ تفقّد سليمان الهدهد قال ابن عباس : إنهم كانوا إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن أقرب الماء في الأرض . فقال نافع ابن الأزرق : وكيف يعلم أقرب الماء في الأرض ولا يعلم بالفخّ حتى يأخذ بعنقه . فقال ابن عباس : أما علمت أن الحذر لا يغني من القدر شيئاً .

قال الحسن : كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح فوضع سرير مملكته عليها ووضعت الكراسي والمجالس على الريح وجلس سليمان على سريره ، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس . والجن يومئذ ظاهرة للإِنس ، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدم يحجون جميعاً ، ويصلون جميعاً ، ويعتمرون جميعاً ، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم ، والشياطين حَرَسَة لا يدعون أحداً يتقدم بين يديه . وهو قوله : ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٩

[سورة النمل — آية 20]

﴿ وتَفقَّد الطَّيْر ﴾ اختبر أحوالها إجمالا ، مراعاة للرعية ، ولا سيما الضعفاء كالطير ، فلم ير الهدهد ، أو جاءته الشمس فى جنبه الأيمن ، وهو موضع الهدهد فوق فى الاظلال ، أو طلبه ليدله على الماء فى مفازة تحت الأرض ، وكان الهدهد يرى الماء فى داخلها ، فتسلح الجن الأرض اليه فى سرعة فلم يره ﴿ فَقَال مالى لا أرى الهُدهُد ﴾ مع أنه معنا ، وأى ساتر له إذ قد يستتر بما هو أعظم ﴿ أمْ كان من الغَائبينَ ﴾ ، ولم أشعربغيبته ، واختار بعض أن ام منقطعة ، أى بل أكان من الغائبين ، وماذكر من أن الهدهد يرى الماء تحت الأرض ، أى بل أكان من الغائبين ، وما ذكر من أن الهدهد يرى المالء تحت الأرض ، ذكر عن ابن عباس ، واعترضه نافع بن الأزرق بأنه ينصب له فخ وتستر له حبة بالتراب فيصاد ، وأجاب بأنه اذا جاء القدر حال جون البصر ، فقال : لا أعارضك بعد ، وأجبنا بأنه اختص هدهد سليمان بذلك ، أو يرى الحبة ولا يعرف أن أخذها من الفخ يوجب صيده ، أو يعرف ويظن أنه ينجو بوجه ، وصحح الحاكم ما ذكر من رؤيته الماء تحت الأرض .

ويروى أنه سار الى مكة شكراً على بناء بيت المقدس ، والمشهور أنه مر عليها فى طريقه الى اليمن ، وقال : يخرج من هنا نبى عربى ينصر على من عاداه ، ويسير النصر أمامه شهراً ، يجىء بدين ابراهيم ، طوبى لهن أدركه وآمن به وهو خاتم الأنبياء والرسل ، فيلغوا ذلك لغيركم وبينكم وبينه ألف عام ، وسار منها الى اليمن صباحا يوم سهيلا ، فوافى صنعاء وقف الزوال ، فرأى أرضا أعجبته خضرتها ، فنزل ليتوضأ ويصلى ، فتفقد الطير للهدهد يدله على الماء .

وعن كعب الأحبار أنه سار من اصطخر يريداليمن ، فمر على المدينة فقال : هذه مهاجر نبى يكون آخر الزمان ، طوبى لمن اتبعه ، ورأى أصناما حول الكعبة فجاوزها ، فبكت فأوحى الله اليها ما يبكيك؟ قالت : نبيك وأولياؤك لم ينزلوا عندى ، ويصلوا ، وحولى أصنام ، فأوحى الله تعالى : إنى سأعمرك بأفضل الأنبياء وأفضل الأمم ، وأفرض عليهم الحج راغبين أشد الرغبة فيك ، يزفون اليك زفيف النسر الى وكره ، والحمامة الى بيضها ، والناقة الى ولدها ، وأطهرك من الأصنام ، وذكروا أنه تقرب كل يوم فى اقامته فى مكة على رواية دخولها بخمسة آلاف بقرة ، وخمسة آلاف ناقة ، حتى أخذ منه هذا ، وهل حمله فى البساط أو وجده فى مكة ، ولم خص النوق ، وهلا قيل : بعير فنؤمن بانه أكثر القربان ، وأنه قصد اليمن ، وتفقد الطير ولم ير الهدهد فقال :

﴿ لأعذبنَّه عذابا شديداً ﴾ بنتف ريشه كله أو نصفه أو ريش جناحيه ، وذلك مع إلقائه فى النمل أو فى الشمس ، أو بطليه بالقطران ، وإلقائه فيها ، أو بحبسه فى القفص ، أو بتفريقه عن الفه ، أو بحشره مع غير جنسه ، ويقال : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، او بابعاده من خدمته ، أو بالزامه خدمة أقرانه أو نحو ذلك ، أباح الله له ذلك تأديباً ، كما تضرب الدابة والعقاب على قدر الفعل ، لا على قدر الجسد .

﴿ أو لأذبحنَّه أو ليأتينِّى بسُلطانٍ مُبينٍ ﴾ حجة ظاهرة ، وفى اللفظ مناسبة لسببها فى جلب سلطان وهو بلقيس ، والقسم على الأولين متردداً أو مخيراً لا على الثالث ، فانه ساقه على طريق النجاة به عنهما .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٩