سورة النمل · الآية ٣١ من ٩٣

‹ السورة السابقة
أَلَّا تَعۡلُوا۟ عَلَیَّ وَأۡتُونِی مُسۡلِمِینَ٣١
الرسم الإملائيّ

أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ

الجزء ١٩الربع ١٥٢ صفحة ٣٧٩

تفسيرها

[سورة النمل — آية 31]

﴿قَالَتْ﴾ أي: بعدما ألقي إليها ، ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ لكرم مضمونه ، أو لغرابة شأنه ، فقيل: إنها كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب ، فدخل الهدهد من كوة ، وألقاه على نحرها ، بحيث لم تشعر به . ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ استئناف ، كانه قيل لها: ممن هو؟ وما هو؟ فقالت: إنه أي: إن الكتاب ، أو العنوان من سليمان ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن المكتوب ، أو المضمون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ " أن" مفسرة لـ"كتاب" ، أو مصدرية ، فيكون بصلته خبر محذوف ، أي : هو ، أو: المقصود أن لا تعلوا ، أو بدل من " كتاب" ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين ، أو منقادين . وهذا كلام فيه غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود ، لاشتماله على البسملة ، الدلالة على ذات الصانع ، وصفاتها صريحا والتزاما ، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل ، والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل ، والأمر فيه بالانقياد بعد إقامة الحجة على رسالته ، فإن إلقاء الكتاب إليها على منقار الطائر ، وهي على تلك الحالة من أعظم الدلالة. ﴿قَالَتْ : يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أجيبوني في أمري ، واذكروا ما تستصوبون فيه ، ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ ما أبت أمرا ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ إلا بمحضركم ، استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة ، أي: يجامعوها ويعاضدوها ، وذلك بعد ما أهالها أمر الكتاب والكاتب ، ولم تستهن به ، ولم تستخف به ، ولم تهمله ، وعظم شأن عاقبته في قلبها ، وهي ربما لم تشعر بأحوال سليمان ولا جنوده ، وكل ذلك لأمر ملكها ودنياها ، لا على دينها . وانظر ما صنعه سليمان وهو بعد لم يصح معه صدق الطير من كذبه ، كيف لم يتوسع بالعذر ، وهو عدم الصحة على ما نطق به الطير ، وانتهز الفرصة للمسابقة على الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وعلى إظهار دين الله.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٠

[سورة النمل — آية 31]

قوله : ﴿ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُم ﴾ يقول انصرف عنهم ﴿ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ .

قال بعضهم : ذكر لنا أنها امرأة من أهل اليمن كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شرحبيل فهلك ملك قومها فمُلِّكت .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لن يفلح قوم تملكهم امرأة » .

قال : وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح ووضعتها تحت رأسها . فلما غلّقت الأبواب وأوت إلى فراشها أتاها الهدهد حتى دخل من كوة بيتها ، فقذف الصحيفة على بطنها أو بين ثدييها ، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت : ﴿ يَآأَيُّهَا المَلؤُا إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ [ أي : حسَن ، حسن ما فيه ] ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بسم الله الرحمن الرحيم أَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ ﴾ أي : لا تمتنعوا عليّ . وقال بعضهم : لا تخلفوا عليّ [ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ] . وكذلك كانت تكتب الأنبياء جملاً ، لا يطيلون ، ولا يكثرون .

قوله : ﴿ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ يعني الإِسلام . وقال الكلبي : ﴿ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي : واتوني مقرّين بالطاعة مستسلمين ، ليس يعني الإِسلام .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٠

[سورة النمل — آية 31]

﴿ الاّ تعْلوا علىَّ وأتُونى مسْلمينَ ﴾ كتب إليها وهى قارئة كاتبة بعربية سبأ وأشكال حروفهم ، لأن الهدهد أخبره أنها من سبأ ، ومن نسل يعرب بن قحطان ، أو نسل تبع ، وهو المشهور وفيهم جودة الخط ، وتعلم أهل الحجاز منهم الخط ، وقد علم الله عز وجل سليمان نطق الطير ، فهو أحق ان يعلمه لغة العرب ، وأشكال حروفها ، وهى أفضل لغة ، وحروفها أفضل أشكال ، ويحتمل أنه كتب اليها بالعربية وأشكالها على يد ترجمان يترجم اليها لغته ، أو لها ترجمان يترجم لها لغة سليمان وأشكال حروفها أو كانت تعرف لغة سليمان وحروفه .

واختار بعض أن لا يغير لغته وحروفه الى لغتها وحروفها ، فزعت أولا بالكتاب ، ثم اشتد فرحها ، ألا ترى الى قولها : إنِّى وقولها كتاب كريم ، ومن كرمه أنه مختوم بالمسك ففى الحديث : « كرَّم الكتاب خمته » ، وفسره ابن عباس به ، فيستحب ختم الكتاب لذلك ، وهو أن يطوى ويقلق عليه بمانع ، كما تختمه بعلك ، ويقال : من كتب الى أخيه كتابا لم يختمه ، فقد استخف به ، ومن كرامته أنه باسم ملك عظيم ، وأنه على غير معتاد ، إذ جاء به طائر ، وأنه قصدها او لبدئه باسم الله عز وجل ، فقد أقرت به ، ولو عبدت غيره ، وأن لم تعرفه فقد استعربت ذكره .

وقيل : من كرمه أنه من السماء ، ويرده أنه من سليمان ، فلا تظنه أنه من الله عز وجل ، ولا من الشمس التى تعبدها ، ولم تذكر اسم الملقى لجهلها به على أنه ألقى اليها ، وهى نائمة ، أو لتحقيرها اياه على أنها أخذته من الهدهد فى الكوة ، أو يقظت حين ألقاه ، وهو خلاف ما مر أنه من الكرم ، وذلك محتمل ، أو لايهام قومها ان لها اتصالا بأمور لا يعلمون طرقها ، وعلى أنه ألقاه إليها بحضرة الناس فللعلم به ، ولعدم الاهتمام به ، وهو خلاف ما مرّ من الكرم وكأنه قيل ممن هذا الكتاب وما مضمونه؟ فقالت مؤكدة لشأنه ولجلواب : انه من سليمان ، والهاء الأولى للكتاب والثانية لمضمونه ، أخرج ابن أبى حاتم ، عن يزيد بن رومان أن لفظ العنوان بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن داود ، الى بلقيس ابنه ذى شرح وقومها ، أن لا تعلوا على الخ فقدم السم الله ، ولو لم تقدمه بلقيس فى كلامها ، أو ذكر فى العنوان لسليمان وحده ، وقدم عليه فى داخل الكتاب البسملة .

ولا ضعف فى قول ابى حيان إنه بدأ باسمه وقاية لاسم الله عز وجل ، عما قد يصدر منها ، إذ كانت كافرة ، وقوله : ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علىَّ وأتونى مسلمين ﴾ لفظ واحد بالحكاية خبر لأن مفرد ، وأما قبل الحكاية فلبسم الله الرحم الرحيم متعلق بمحذوف خبر مقدم ، وأن لا تعلوا علىَّ مبتدأ بالتأويل ، وأن مصدرية ولا نافية أى بسم الله الرحمن الرحيم انتفاء علوكم على ، وأتونى مسلمين جملة طلبية معطوفة على خبرية ، بل لا تخلوا هذه الخبرية عن طلب ، ويجوز أن يكون ان تفسيرية لمضمون الكتاب ، ولا ناهية وخصت هذه الأمة بالبسملة الا سليمان أو هى فى كلامه بغير العربية ، ومعنى مسلمين مؤمنين بالله وحده ، وأن سليمان رسوله ، وهكذا دعاء الأنبياء ، وإن طولبوا بالحجة أقامواها ، وهذا شأنه لا يقدح فيه أنها سمته ملكاً لجهلها .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٠