سورة النمل · الآية ٤٤ من ٩٣

‹ السورة السابقة
قِیلَ لَهَا ٱدۡخُلِی ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةࣰ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَیۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحࣱ مُّمَرَّدࣱ مِّن قَوَارِیرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَیۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ٤٤
الرسم الإملائيّ

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الجزء ١٩الربع ١٥٢ صفحة ٣٨٠

تفسيرها

[سورة النمل — آية 44]

﴿قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ روي: أنه أمر قبل قدومها ببناء قصر ، صحنه من زجاج أبيض ، وأجرى من تحته الماء ، وألقى حيوانات البحر ، ووضع سريره في صدره ، فجلس عليه ، فلما أبصرته ظنته ماء راكدا ، فكشفت عن ساقيها ، ﴿قَالَ :إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِّن قَوَارِيرَ﴾ من الزجاج . وتلك أسوة حسنة لملوك الدنيا ، بإلقاء القوة والهيبة والحيلة على من عاداهم في دين الله ، فإنها ما نزلت هذه الآيات بخبر صنعهم عبثا ولا لعبا ، بل لحكمة قاهرة وحجة باهرة. فلما رأت ما رأت ، ﴿قَالَتْ : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيما أمر به عباده.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٠٣

[سورة النمل — آية 44]

﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ تفسير الحسن أن سليمان أمر الشياطين أن تصنع صرحاً ، أي : مجلساً من قوارير .

وقال الكلبي : إن الجن استأذنوا سليمان فقالوا : ذرنا فَلْنَبْنِ صرحاً من قوارير ، والصرح قصر ، فننظر كيف عقلها . وخافت الجن أن يتزوّجها فتطلع سليمان على أشياء كانت الجن تخفيها من سليمان . وذلك أن أحد أبويها كان جنياً ، فلذلك تخوّفوا ذلك منها .

قال الكلبي : فأذن لهم . فعمدوا إلى الماء ففجّروه في ارض فضاء ، ثم أكثروا فيه من الحيتان والضفادع ، ثم بنوا عليه سترة من زجاج ، ثم بنوا من حوله صرحاً ، أي : قصراً ، ممرّداً من قوارير؛ الممرّد : الأملس . ثم أدخلوا عرش سليمان ، أي : سريره ، وعرشها وكراسي عظماء الملوك . ثم دخل الملك سليمان صلى الله عليه وسلم ودخل معه عظماء جنده . ثم قيل لها : ادخلي الصرح ، وفتح الباب .

فلما أرادت الدخول إذا هي بالحيتان والضفادع ، فظنّت أنه مُكِرَ به لتغرق . ثم نظرت فإذا هي بالملك سليمان على سريره ، والناس حوله على الكراسي ، فظنت أنها مخاضة ، فكشفت عن ساقيها . وكان لها شَعَر ، فلما رآها سليمان كرهها . فعرفت الجن أن سليمان قد رأى منها ما كانت تكتم . قالت لها الجن : لا تكشفي عن ساقيك ولا عن قدميك فإنه صرح ممرّد ، أي مملس ، من قوارير .

وقال بعضهم : كان الصرح بني من قوارير على الماء . فلما رأت اختلاف السمك من ورائه لم يشتبه عليها أنه لجّة ، وكشفت عن ساقيها . وكان أحد أبويها جنّيّاً . وقال مجاهد : كانت أمها جنيّة . قال : وكان مؤخر رجليها كحافر الدّابة ، فكانت إذا وضعته على الصرح هشمته . قال مجاهد : كان الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه .

وقال بعضهم : إنها لما أقبلت إلى سليمان خافت الشياطين من أن يتزوّجها سليمان ، وقالوا : قد كنّا نلقى من سليمان من السخرة ما نلقي ، فكيف إذا اجتمع عقل هذه وتدبيرها مع ملك سليمان ونبوته ، مع أن أمّها كانت من الجن ، فالآن هلكتم . فقال بعضهم : أنا أصرف سليمان عنها حتى لا يتزوّجها . فأتاه فقال له : إنه لم تلد قط جنية من إنسي إلا كان رجلها رجل حمار ، فوقع ذلك في نفس سليمان .

وكان رجل من الجن يحب كل ما وافق سليمان ، فقال : يا نبي الله أنا أعمل لك شيئاً ترى ذلك منها ، فعمل الصرح .

﴿ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ﴾ فرأى سليمان قدميها قدم إنسان ، ورأى على ساقها شعراً كثيراً فساءه ذلك . فقال الجن الذي يحبّ كل ما وافق سليمان : أنا أعمل لك ما يذهب ذلك الشعر الذي ساءك ، فعمل له النورة والحمّام . وكان أول من عمل النورة والحمّام ، وتزوّجها سليمان في قول بعضهم .

﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أي : أضررت نفسي . وبعضهم يقول : نقصت نفسي ، يعني بما كنت عليه من الكفر . ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَع سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٠٣

[سورة النمل — آية 44]

﴿ وصَدَّها ما كانَتْ تَعبد منْ دُون اللهِ ﴾ ما مصدرية ، والمصدر فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ، او عن إظهاره الى هذا الحال كونها تعبد غير الله سبحانه ، أو نكرة موصوفة أو اسم موصول واقعة على الشمس فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ذلك شىء تعبده من دون الله ، وهو الشمس ، أو الشىء الذى تعبده من دون الله ، أو الشمس التى تعبدها ، والرابط فى ذلك كله مقدر كما رأيت ، واسناد الصد الى ما كانت تعبده مجاز عقلى لعلاقة السببية ، وحقيقته وصدها الله بما كانت تعبده ، واسناده الى العبادة على وجه المصدرية حقيقة على العرف ﴿ إنَّها كانَتْ مِنْ قومٍ كافرينَ ﴾ لما أسلمت لم تظهر الاسلام قبل هذا الحال ، لرسوخ كفرهم ، وكأنه قيل : ماذا قيل لها بعد ذلك الامتحان؟ فأجيب بقوله :

﴿ قيل ﴾ أى قال غير سليمان أو سليمان ﴿ لها ادْخُلى الصَّرْح ﴾ أو ذلك خبر ثان لكانت ، ولهذا ربط بالضمير من لها ، وأما ما قيل من أنه جىء ب ﴿ لها ﴾ هنا دون قيل أحكذا المكان أمرها ، فلا يتم ، لأن أهكذا أيضا خطاب لها يستدعى جوابا ، كأنه قيل أجيبى ، والصرح القصر العاصى من معنى التصريح ، وهو الاظهار ، وزعم بعض انه هنا البركة ، وبعض انه صحن الدار أو ساحتها ، ويناسبه قوله : ﴿ إنه ممرَّد ﴾ روى أنه أمر الجن فبنوا لها الصرح من زجاج أبيض ، وأجروا من تحته الماء ، ودواب الماء ، أو بنوا طبقات من الزجاج الذى هو كالماء بين كل كبقتين ماء وحيونه ، وهذه المبالغة تنافى انها أرادت أن تخوضه ، إلا أن تقاربت الطبقات ، ووضع سريره فى صدر المجلس ، وجلس عليه ، وعكفت عليه الطير والجن والانس ، وذلك امتحان لها فى الايمان .

وقيل : ليتبين كذب من قال : إن رجْلها رِجْل حمار إذا كشفت عن ساقيها تخوض اللجة ، ولكن بان أنهما شعر أو ان جاز لخاطب امرأة أن ينظر الى وجهه ، وظهر قيدميها ، قيل وشعرها ، وساقيها .

﴿ فلمَّا رأته ﴾ أى الصرح أى أسفل الصرح ﴿ حَسِبتْه لجةً ﴾ ماء عميقا قدر ما تخوض فيه ﴿ وكَشَفت عَنْ ساقَيْها ﴾ أذيالها لئلا تبتل ﴿ قال ﴾ سليمان ، وقيل : قال القائل ادخلى ويرده أنه لو كان ذلك لقال قيل كما قيل أولا ﴿ إنَّه ﴾ أى ما ترين من البناء كله أعلاه وأسفله ﴿ صَرحٌ مُمرَّدٌ ﴾ أو أنه بعض صرح ممرد ، أى مجرد عما يرد نفود البصر ﴿ مِنْ قَواريرَ ﴾ قطعات زجاج ، أو قطعات مجوفة منه نعت ثان ، أو خبر ثانٍ ﴿ قالت ربِّ إنِّى ظلمْت نَفْسى ﴾ بعبادة غيرك ، وكفرى بسليمان ، ومن أشرك فقد كفر بالأنبياء علم بهم أو لم يعلم ، قبل علمه وبعده ، ولا دلل يعلم به انها أرادت أنى ظلمت نفسى بظنى أن سليمان أراد اغراقى ، أو بامتحانيه حتى امتحننى ، ﴿ وأسْلَمت معَ سليمان لله ﴾ مقتضى الظاهر لك وإسقاط مع سليمان ولكن اتت اسم الجلالة تعظيماً لربها سبحانه بالألوهية والتفرد باستحقاق العبادة ، والملك لكل موجود كما قال : ﴿ ربِّ العَالمين ﴾ لما جددت الاسلام بحضرته تزوجها وأصدقها بعلبك ، وأقرها على ملكها ، وأمر الجن فبنوا لها سلحين وغمدان وبيسنون ، ويزورها فى الشهر مرة ، ويقيم عندها ثلاثة أيام ، وولدت له أبنا .

أخرج البيهقى عن الأوزاعى فى الزهد : أنه كسر برج من أبراج تدمر ، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء ، مدمجة كأن أعطافها طى الطوامير ، عليها عمامة ثمانون ذراعا ، مكتوب على طرفها بالذهب : بسم الله الرحمن الرحيم أنا بلقيس ملكة سبأ ، زوج سليمان بن داود عليهما السلام ، ملكت من الدنيا كافرة ومؤمنة ، ما لم يملكه أحد قلبى ، ولا يملكه أحد بعدى ، صار مصيرى الى الموت ، فأقصروا يا طالبى الدنيا ، وما تزوجها إلا بعد أن أزال شعر ساقيها بالنورة ، أخرجها له الشياطين بعد أن سأل الانس وسائر الجن فلم يجيبوا إلا بالحق ، فكرهه مخافة ان تجرح ، وقيل أمرها بالتزوج ، فقالت : وأنا ملكة الملوك؟ قال : لا بد فى الاسلام منه ، قالت : فزوجنى ذا تبع ، ففعل وردها الى اليمين ، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يخدمه ، ويزى أنه لما مات سليمان نادى فى اليمن يا معشر الجن ارفعو أيديكم قد مات سليمان فتفرقوا .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٠٣