سورة النمل
الجزء النمل · صفحة ٠﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ تفسير الحسن أن سليمان أمر الشياطين أن تصنع صرحاً ، أي : مجلساً من قوارير .
وقال الكلبي : إن الجن استأذنوا سليمان فقالوا : ذرنا فَلْنَبْنِ صرحاً من قوارير ، والصرح قصر ، فننظر كيف عقلها . وخافت الجن أن يتزوّجها فتطلع سليمان على أشياء كانت الجن تخفيها من سليمان . وذلك أن أحد أبويها كان جنياً ، فلذلك تخوّفوا ذلك منها .
قال الكلبي : فأذن لهم . فعمدوا إلى الماء ففجّروه في ارض فضاء ، ثم أكثروا فيه من الحيتان والضفادع ، ثم بنوا عليه سترة من زجاج ، ثم بنوا من حوله صرحاً ، أي : قصراً ، ممرّداً من قوارير؛ الممرّد : الأملس . ثم أدخلوا عرش سليمان ، أي : سريره ، وعرشها وكراسي عظماء الملوك . ثم دخل الملك سليمان صلى الله عليه وسلم ودخل معه عظماء جنده . ثم قيل لها : ادخلي الصرح ، وفتح الباب .
فلما أرادت الدخول إذا هي بالحيتان والضفادع ، فظنّت أنه مُكِرَ به لتغرق . ثم نظرت فإذا هي بالملك سليمان على سريره ، والناس حوله على الكراسي ، فظنت أنها مخاضة ، فكشفت عن ساقيها . وكان لها شَعَر ، فلما رآها سليمان كرهها . فعرفت الجن أن سليمان قد رأى منها ما كانت تكتم . قالت لها الجن : لا تكشفي عن ساقيك ولا عن قدميك فإنه صرح ممرّد ، أي مملس ، من قوارير .
وقال بعضهم : كان الصرح بني من قوارير على الماء . فلما رأت اختلاف السمك من ورائه لم يشتبه عليها أنه لجّة ، وكشفت عن ساقيها . وكان أحد أبويها جنّيّاً . وقال مجاهد : كانت أمها جنيّة . قال : وكان مؤخر رجليها كحافر الدّابة ، فكانت إذا وضعته على الصرح هشمته . قال مجاهد : كان الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه .
وقال بعضهم : إنها لما أقبلت إلى سليمان خافت الشياطين من أن يتزوّجها سليمان ، وقالوا : قد كنّا نلقى من سليمان من السخرة ما نلقي ، فكيف إذا اجتمع عقل هذه وتدبيرها مع ملك سليمان ونبوته ، مع أن أمّها كانت من الجن ، فالآن هلكتم . فقال بعضهم : أنا أصرف سليمان عنها حتى لا يتزوّجها . فأتاه فقال له : إنه لم تلد قط جنية من إنسي إلا كان رجلها رجل حمار ، فوقع ذلك في نفس سليمان .
وكان رجل من الجن يحب كل ما وافق سليمان ، فقال : يا نبي الله أنا أعمل لك شيئاً ترى ذلك منها ، فعمل الصرح .
﴿ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ﴾ فرأى سليمان قدميها قدم إنسان ، ورأى على ساقها شعراً كثيراً فساءه ذلك . فقال الجن الذي يحبّ كل ما وافق سليمان : أنا أعمل لك ما يذهب ذلك الشعر الذي ساءك ، فعمل له النورة والحمّام . وكان أول من عمل النورة والحمّام ، وتزوّجها سليمان في قول بعضهم .
﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أي : أضررت نفسي . وبعضهم يقول : نقصت نفسي ، يعني بما كنت عليه من الكفر . ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَع سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .