وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَاۤءࣰ فَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦۤ إِخۡوَٰنࣰا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةࣲ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَایَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ١٠٣
الرسم الإملائيّ
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
الجزء ٤الربع ٢٥ صفحة ٦٣
تفسيرها
﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب ، وهو من العذاب الأدنى ، وهو سرُّ الافتراق ، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام ، وقذف في قلوبهم المحبة ؛ فتحابوا وصاروا إخوانا متعاونين على الشيطان وحزبه ، وذلك سرُّ الاجتماع . ﴿ وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ ﴾ وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر لأن كُلَّ من عمل معصية ، فهو على شفا حفرة من النار ، لأنه ليس بينها وبينه إلاَّ الموت ، ولا يدري متى وصوله ، وإذا مات وقع فيها ؛ ﴿ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ بها .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٩٦
قوله : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ . قال الحسن : إنما قال واعتصموا بحبل الله لأنه حبل نزل من السماء هبط عليهم ، وهو القرآن . قال علي بن أبي طالب : حبل الله القرآن .
قوله : ﴿ ولا تفرّقوا ﴾ . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار » .
قال : ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أي احفظوا واشكروا نعمة الله عليكم ﴿ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بالإِيمان ، إذ كانت العرب يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً . ﴿ فَأَصْبَحْتُم ﴾ أي فصرتم ﴿ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ﴾ بالإِسلام ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ أي لكي تهتدوا .
ذكر بعضهم قال : كنتم تذابحون فيها؛ يأكل شديدُكم ضعيفكم ، حتى جاء الله بالإِسلام ، فآخى به بينكم ، وأَلَّف به بينكم .
ذكر لنا ابن مسعود قيل له : كيف أصبحتم؟ قال أصبحنا بنعمة الله إخواناً .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أتيتكم وأنتم تهافتون في النار ، فأخذت بحُجَزِكم فأخرجتكم منها » .
وقال الحسن : وكنتم على شفا حفرة النار . أي : من مات مات إلى النار ومن كان حياً كان على ضلالة وشفا ، فأنقذكم منها برسوله وبكتابه .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٩٦
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الهِ جَمِيعاً ﴾ كونوا على دين الله بالاتباع بالإسلام والاعتقاد والطاعة والإخلاص ، وعن ابن مسعود بالطاعة والجماعة ، فينجو من النار إلى الجنة ، كمن يمسك ببل يطلع به ، من مضرة ، أو يرتفع به إلى منفعة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القرآن حبل الله المتين » رواه الحاكم ، وعنه صلى الله عليه وسلم « القرآن حبل الله المتين لا تنقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ، من قال به صدق ، ومن عمل به رشد ، ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم » أى لا يبلى من كثرة التردد بقراءته ، بل هو أبداً طوى ، قال الشاطبى : وبعد فحمل الله فينا كتابه . عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم : « حبل الله القرآن » ، وعن زيد بن ثابت عنه صلى الله عليه وسلم : « القرآن وأهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض » ، شبه قبول دين الله أو القرآن والعمل به والانتفاع بإحضار حبل وثيق ، والارتباط له ، والتوصل به إلى خير ، فذلك استعارة تمثيلية ، وهى أولى من استعارة الإفراد ، كاستعارة الحبل للعهد ، تصريحية أصلية ، والقرينة الإضافة ، واستعارة الاعتصام للوثوق بالعهد تصريحية ، أصلية ، واشتقاق اعتصم تصريحية تبعية ، وكاستعارة الحبل ، وإبقاء اعتصموا ترشيحاً ، أو فى الحبل مكنية وفى الاعتصام تخييلية ، ويجوز اسعتمال الاعتصام مع أنه تمسك مخصوص بجسم فى مطلق التوثق ، فمنه التوثيق بعهد الله ، فذلك مجاز مرسل أصلى لعلاقة الإطلاق والتقييد ، واشتق منه اعتصم مجازاً مرسلاً تبعياً ﴿ وَلاَ تَفرَّقُوا ﴾ لا تتفرقوا عن الإسلام بالختلاف فيه ، ولا بذكر مايزيل الألفة ، كتفرق الجاهلية بالحروب ، وتفرق أهل الكتاب بعد كونهم معه ، اولا تتفرقوا فيما بينكم أو فيما بينكم وبين الرسول ﴿ وَغذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَليْكُمْ ﴾ يا أيها الأنصار بالتوفيق للإسلام وتوابعه ، أى إنعام الله عليكم وقت ﴿ كُنتُمْ أَعْدَآءً ﴾ تقتتلون وتتحاقدون وتتشائمون مائة وعشرين سنة قبل الإسلام ، ولا يتعلق نعمه ، فيتعلق إذ بمحذوف حال ، والأول أولى ، لأن فيه الحمد على الفعل ، وهو الإنعام وهو أبلغ من الحمد على أثره ، وهو النعم ﴿ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بهدايته لكم للأسلام ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ ﴾ صرتم ، واختار لفظ الصباح لأنه أفضل من الليل ولأنه أول النهار ، لأأو لأنه بعد الظلمة كالإسلام بعد شرك ، مع احتمال أن ذلك وقع صبحاً تحقيقاً ﴿ بِنِعْمَتِهِ ﴾ بالإسلام أو بالتأليف به أو بنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ إخْوَاناً ﴾ فى الدين والتناصر كأخوين من أب وأم تناصراً لنسبهما ، وكان الأوس والخزرج لأب واحد وأم واحدة ، وتناصرهم للإسلام ، لا لاتحاد الأبوين ، فالمؤمنون من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد ، وهو الإيمان ، كالإخوة المنتسبين إلى أب واحد وأم واحدة ، والأول سبب للحياة الأبدية والثانى سبب للحياة الفانية ، وآخر الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث ، وقيل الخطاب لمشركى العرب ، ولعل المراد بعد إسلامهم ، لقوله : فأصبحتم إخواناً بالإسلام ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ ﴾ طرف الحفرة الأسفل ، إذ كانوا فى الكفر والفتن الموجبة للنار ، كما قال ﴿ مَّنَ النَّارِ ﴾ التى هى جهنم ، ما بينكم وبينها إلا الموت على الشرك ، أوتمثيل للخسران ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ ﴾ خلصكم ﴿ مِّنْهَا ﴾ من الحفرة أو من النار ، أو من شفا ، وأنث لإضافته لمؤنث يصلح الاستغناء به عنه ، أو لاعتبار معنى شفة البئر ، والمراد من موجبات النار ، بتوفيقه إياكم إلى الإسلام ، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ، أو الشفا الطرف الأعلى من الحفرة ونحوها ، كقوله تعالى : على شفا جرف ، بمعنى أنهم أشرفوا على النار بكفرهم وفتنهم ، فنجاهم الله منها بالإسلام ، تلو ماتوا قبل الإسلام لدخلوها ، شبه الموت على المعصية بالكون على شفا حفرة من النار بجامع ترتب المضرة ، ومضرة المعصية الخسران والعذاب قبل جهنم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم الواقع حوا لالحمة يوشك أن يقع فيه ، ومعنى إنجائهم من الشفا إنجاؤهم من مظنة الهلاك ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل تبينه لك حال الأنصار قبل الإسلام وحالهم بعده ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايآتِهِ ﴾ أى سائر دلائله على سائر دينه ﴿ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ إلى ما لم تهتدوا إليه قبل ، أو تبقون على الاهتداء ، ومر معانى صيغة الترجى من الله ، أو أراد بالترجى الإرادة المتشابهة أواللزوم إلى التسبب .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٩٦