سورة آل عمران · الآية ١٥٦ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُوا۟ غُزࣰّى لَّوۡ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِیَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةࣰ فِی قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ یُحۡیِۦ وَیُمِیتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ١٥٦
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٧٠

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 156]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ في النسب ، أو النفاق ، ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ ﴾ سافروا فيها للتجارة أو غيرها ، ﴿ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ جمع غاز ، وأصابهم موت أو قتل ، ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي : لا يكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ، ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) خاصة ، ويصون منه قلوبكم ، والحسرة : الندامة على فوت محبوب . ﴿ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ردٌّ لقولهم : إن الأسباب تقطع الآجال . ﴿ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فيجازيكم على حسب أعمالكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٩

[سورة آل عمران — آية 156]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ ﴾ يعني التجارة ﴿ أَوْ كَانُوا غُزًّى ﴾ يعني في الغزو ﴿ لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ . قال مجاهد : هو ابن أبي سلول . وقال الحسن : هؤلاء المنافقون وقالوا لإِخوانهم ، يعني إخوانهم فيما يظهر المنافقون من الإِيمان ، يزعمون أنهم إخوانهم . قوله : ﴿ لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ قالوا هذا لأنه لا نية لهم في الجهاد .

قال الله : ﴿ لِيَجْعَلَ الله ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ كقوله : ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [ التوبة : 54-55 ] ، وذلك أنهم كانوا يجاهدون قوماً كانوا يوادّونهم لكفرهم ، فذلك عليهم عذاب وحسرة . ﴿ وَالله يُحْيِي وَيُمِيتُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٩

[سورة آل عمران — آية 156]

﴿ يَآأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أشركوا بقلوبهم ونافقوا بألسنتهم ﴿ وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ ﴾ فى شأن إخوانهم ، فقيل أو عن إخواتهم أو لأجل إخوانهم ، أو خاطبوا إخوانهم تجوزا ولو غابوا أو ماتوا ، وعلى هذا الأخير يكون مقتضى الظاهر ، لو كنتم عندنا ما تم وما قتلتم بطريق التفات السكاكى ، والمراد بإخوانهم المسلمون من الأنصار ، إخوة النسب ، أو إخوانهم فى النفاق إخوة الدين والنسب ﴿ إذَا ضَرَبُوا فِى الأرْضِ ﴾ سافر لتجر أو معاش وماتوا ، وخص الأرض لأن سفرهم فى البحر قليل ، وإذا بمعنى إذ للمضى بدليل قالوا ، أو على ظاهرها فيكون قالوا بمعنى يقولون ، أن يبقى قالوا على الضى زمانا إلا أنه يعتبر مغنياً عن الجواب فيفيد الاستقبال ، بواسطة الشرط كقوله : وهمَّ بها لولا أنرأى برهان رب÷ ، أو يصور المخاطب كونه قبل القول فيصح له استقبال إذا أو يراد بإذا الاستمرار فيفيد الاستحضار نظراً إلى الاستمرار كقوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، والضرب فى الأرض السفر فيها ، والإبعاد عند بعض ، ولا يتم إذ لا يختص بالإبعاد فى الآية شرط ، ولا يصح تفسير الأرض بما يشمل البحر ، إذ لا سير فى البحر إلا على الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو عموم المجاز ، وهو مطلق الذهاب عن الأهل ﴿ أَوْ كَانُوا غُزَّى ﴾ فقتلوا بدليل قوله عزوجل ، وما قتلوا ، والمفرد غاز ، وزنه فعل كراكع وركع ، قلبت لواو ألفاً ، لأنها تحركت بعد فتح ، فحذف للساكن بعدها ، وهو التنوين ، والقياس فيه غزاة كقضاة ، بوزن فعله بضم ففتح لإعلال اللام ﴿ لَّوْ كَانُوا عِندَنَا ﴾ لم يسافروا ولم يغزوا ﴿ مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ والموت أعم من القتل ، إذ يكون بلا قتل وبه ، وقدم لأنه يكون فى إقامة وذهاب ، والغزو يكون بالذهاب ، كما ذهب المسلمون من المدينة إلى أحد ﴿ لِيَجْعَلَ اللهُ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ اللام متعلق بقالوا ، وهى لام المآل لا التعليل ، لأنهم قالوا ذلك للتثبط عن الجهاد ، لا ليكون ذلك حسرة ، ولكن مآله الحسرة ، وهى أشد الندم والإشارة إلى الظن : إذ ظنوا أنهم لو حضروا لكانوا أحياء ، أو إلى النطق والاعتقاد المدلول عليه بالقول ، أو إلى النهى والانتهاء ، والمعنى لا تعتقدوا أيها المسمون ذلك الذى اعتقده الكفار ، ولا تقولوه كما اعتقدوه وقالوه ، ووجه التحسر اعتقاد أن الموت أو القتل بسبب تقصيرهم فى المنع من السفر والغزو ، وأيضاً إذا قالوا ذلك وسمعهم قرابة المقتول تحسر هؤلاء القرابة ، وربما قاله بعض المؤمنين الضعفاء فتسمعهم الأقارب فيتحسرون ، وإذا ألقوا مثل هذه الشبهات على أقوياء المسلمين ولم يلتفتوا إليها ضاع كيدهم فتحصل لهم حسرة ، وأيضاً إذا رأوا يوم القيامة نجاة المجاهدين وفضلهم وكراماتهم على إيمانهم وجهادهم تحسروا ، وأجيز تعلق اللام بلا تكونوا ، أى لا تكونوا مثلهم فى قول ذلك ، ليختصوا بالحسرة ، فتزداد شدة ، بخلاف ما لو قالوا ، ولا ضعف فى ذلك وهذا كقولك ، ولا تعص بتدخل الجنة ، أى الرك العصيان لتدخلها ﴿ وَاللهُ يُحْيى ﴾ من أراد حياته ولو ضرب فى الأرض أو غزا أو مرض مرضاً لا يرجى معه أو اقتحم الشدائد ﴿ وَيُمِيتُ ﴾ من أراد موته ، ولو قعد ولم يغز ولم يمرض ولم يقتحم شدة ، وروح كل حى يقبضها الله بالخلق وملك الموت بالمباشرة ، وزعمت المعتزلة أن ملك الموت يقبض أرواح الثقلين فقط ، وبعض أهل البدعة يقولون : يقبض كل حى إلا أرواح البهائم فإن أعوانه يقبضونها ، والحق أن الله يقبض الكل ، الله يتوفى الأنفس ، أى يخلق الموت ، ومعنى يتوفاكم لك الموت يباشره ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ ﴾ تهديد للذين أمنوا أن يعتقدوا أو يقولوا مثل ما قال الذين كفروا فإن الله جل وعلا بصير بذلك القول واعتقاده وما يترتب عليهما .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٩