سورة آل عمران · الآية ١٥٥ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَلَّوۡا۟ مِنكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّیۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُوا۟ۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِیمࣱ١٥٥
الرسم الإملائيّ

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٧٠

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 155]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ جمع المُسلمين والكافرين ، ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ دعاهم إلى الذلة ، وحملهم عليها ببعض ما كسبوا ، ( استزلَّهم الشيطان ) : طلب زلتهم ودعاهم إلى الزلل ، ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ من ذنوبهم ، والمعنى : أن الذين آمنوا يوم أحد كان السبب في انهزامهم ، أنهم كانوا أطاعوا الشيطان ؛ فاقترفوا ذنوبا ، فذلك منعتهم التأييد والتوفيق في تقوية القلوب حتى تولوا ، وقال الحسن : << استزلهم بقبول ما زُيَّن لهم من الهزيمة >> ، وقوله : ( ببعض ما اكتسبوا ) مثل قوله : ( ويعفوا عن كثير ) . ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ ﴾ غفر لهم بعدما استغفروا . ﴿ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجل بالعقوبة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٨

[سورة آل عمران — آية 155]

قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ ﴾ وهو يوم أحد ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

كان الله قد أوجب لمن فرَّ يوم بدر النار ، ثم كانت أُحُد بعدها ، فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ . وقال بعضهم : كان أناس من أصحاب النبي عليه السلام توَلّوا عن القتال وعن النبي يوم أُحُد ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه ، فأنزل الله : ﴿ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

وقال الكلبي : لما أصاب رسول الله المشركين يوم أحد جعل الرماة خمسين ، فأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار ، وجعلهم قِبَل خيل المشركين ، وأمرهم أن لا يريموا مكانهم؛ وقال : إِنِ الخَيْلُ تحرّكت فارموا برشق من النَّبل ، واستنفدوا النبل . فلما هزم الله المشركين ودخل المؤمنون عسكرهم رأتهم الرماة ، وهم يأخذون الأسلاب ، قالوا : أدركوا الغنيمة لا يسبقكم بها الناس .

وقالت طائفة منهم : بل نثبت مكاننا . فرجعت طائفة وثبتت طائفة . فحملت الخيل على من ثبت منهم فقتلوهم ، ثم دخلوا العسكر ، وقتلوا من وجدوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلبوهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٨

[سورة آل عمران — آية 155]

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلُّوا مِنكُمْ ﴾ انهزموا أو رجعوا إلى المدينة ﴿ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ ﴾ النبى صلى الله عليه وسلم ومن معه جمع ، والمشركون جمع يوم أحد ﴿ إنَّمَا اشتَزَلَهُمُ ﴾ طلب بالوسوسة منهم الزلل بالانهزام وبترك المركز والحرص على الغنيمة ، وبذكر ذنوب سبقت ، كرهوا أن يلقوا الله بها قبل أداء تبعتها ﴿ الشَّيْطَانْ ﴾ جنس الشيطان ، إبليس وغيره ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ من الذنوب ، فإن الذنب يحر ذنبا ، ويعاقب المذنب بالذذنب الآخر ، وهذا البعض هو عين الذين زلوا به عن الدين ، وهو الانهزام وترك المركز ، والحرص على الغنيمة ، أو ذنوب سبقت كرهوا الموت قبل التخلص منها أدتهم إلى الانهزام ، وسوس إليهم بها الشيطان ، وما ذكر معه ، والحصر إنما يكون للآخر ، أى ما أزلهما إلا ببعض ما كسبوا ، ويجوز أن يكون للشيطان ، فيكون قوله ببعض ما كسبوا تبعا له ، لا مقصوداً بالذات ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنهُمْ ﴾ لتوبتهم واعتذارهم ، ليس العفو والرحمة للآخرة مع الإصرار حكمة ، فحيث أطلقا قيدا بالتوبة ، لئلا يكون الخروج عن الحكمة ، فإن كان العفو عدم عقاب الدنيا شمل أبيَّا ومن معه ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ ﴾ لذنوب ، التائبين ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعجل بالعقوبة توسعة لهم ليتوبوا ، زيادة فى الإعذار ، مع أنه لا يفوته عذاب المصير ولا موت أحد لأجله ، بل يذهب إلى موضع موته فى غفلته ، أو قصده الهروب عنه ، بقى معه صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلا ، وقيل ثلاثة عشر خمسة من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر وعلىّ ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وروى أنه نظر ملك الموت نظرة هائلة ‘لى رجل فى مجلس سليمان بن داود عليه السلام ، فقال الرجل لسليمان : من هذا الرجل الذى شد نظره إلىَّ؟ فقال : هو ملك الموت ، فقال : أرسلنى مع الربح إلى عالم آخر ، فألقته فى قطر سيق ، فما لبث أن عاد ملك الموت إلى سليمان ، فقال : كنت أمرت بقبض ذلك الرجل فى هذه الساعة فى أرض كذا ، ويروى فى أرض النهد ، فلما وجدته فى مجلسك قلت متى يصلها ، وقد أوصلته الريح فوجدته فيها فقضى الله أمره فى زمانه ومكانه ، ويروى أنه تعجب بوجوده عند سليمان وقد أمر بقبضه فى أرض بعيدة ، فقال له : مر الريح تحمله إليها ، ففعل ، ويجمع بأنه سأله الملك لإنقاذ القضاء وسأله الرجل هروباً من الموت غير سامع لسؤال ملك الموت .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٨