مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِیَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَىٰ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ حَتَّىٰ یَمِیزَ ٱلۡخَبِیثَ مِنَ ٱلطَّیِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ یَجۡتَبِی مِن رُّسُلِهِۦ مَن یَشَاۤءُۖ فَءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ١٧٩
الرسم الإملائيّ
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
الجزء ٤الربع ٢٩ صفحة ٧٣
تفسيرها
﴿ مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ من اختلاط المؤمنين الخَّلص والمنافقين ، ﴿ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ قيل : الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين في عصره . والمعنى : لا يترككم مختلطين ، لا يعرف مخلصكم ومنافقكم حتى يمَّيز المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه ، وبإخباره إلى أحوالكم ، أو بالتكاليف الشَّاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلاَّ الخَّلص المخلصون منكم ؛ كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله ، ليختبر بواطنكم ويظهر ما على عقائدكم . ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ وما كان الله ليؤتي أحدا منكم علم الغيوب ، فلا يتوَّهم عند إخبار الرسول من نفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطَّلع على ما في القلوب اطلاع الله ، فيخبر عن كفرها وإيمانها ، ﴿ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ أي : ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه من يخبره أن في الغيب كذا ، وأن فلانا في قلبه نفاق ، وأن فلانا في قلبه إخلاص ، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله ، لا من جهة نفسه . ﴿ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ بصفة الإخلاص ، ويحتمل في تأويل هذه الآية ، أي : لا يكون المؤمنون كلُّهم علماء بدين الله ، ولكن يختص من عباده ، رسلا وعلماء بدينه ؛ فإذا بلغتهم حجة من حجج الله ، من رسول الله أو نبي أو عالم أو جاهل فيما لا يسع جهله أو حجة عقل ، فواجب على المؤمنين الإيمان بها والتصديق لها . ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ النفاق ، ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٢
قوله : ﴿ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ أي المنافق من المؤمن . وقد ميّز المنافقين من المؤمنين يوم أحد . وقال بعضهم : يعني الكفار؛ لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، فميَّزَ بينهم بالجهاد والهجرة .
قوله : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ ذكروا أن المنافقين قالوا : ما شأن محمد ، إن كان محمد نبياً لا يخبرنا بمن يؤمن به قبل أن يؤمن به . فقال الله : ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ ﴾ . ﴿ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ .
يقول : يستخلص من رسله من يشاء فيطلعه على ما يشاء من الغيب ، ثم يعرضه عليكم . كقوله : ﴿ عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ﴾ [ الجن : 25-26 ] .
قوله : ﴿ فَآمِنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أي : الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٢
﴿ مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ ﴾ يبرك ﴿ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ لام الجحود زائدة لتأكيد النفى أى ما كان شأن الله ترك المؤمنين ، أو ما كان الله ذا ترك للمؤمنين ، أو تاركا ، أو للتقوية ، أى ما كان الله مريداً لتركهم على ما أنتم عليه من القياس المنافق المخلص ، وجريان أحكام الإيمان عليه ، وزعم الكوفيون أنها زائدة ناصبة للمضارع ، ولا تقدر أن ولا المصدر ولا حذف ، والجملة خبر كان ، والخطاب كما رأيت للمؤمنين والمنافقين والمرتابين ، وقيل للمؤمنين ، وقيل للمنافقين والمرتابين ، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ووعد لهم ، ووعيد لغيرهم ﴿ حََّى يَمِيزَ الخَبِيثَ ﴾ المنافق لخبثه اعتقاداً وفعلا ﴿ مِنَ الطَّيِبّاتِ ﴾ المخلص اعتقاداً وفعلا وقولا ، ومعنى الغاية أن الله تعالى يفعل التخليص بينهم حتى يتبين لكم ، وذلك التمييز إنما هو بعدم تحمل المشاق وبذل الأموال فى سبيل الله ، وبرجوعهم عن أحد وإبائهم من الخروج إلى قتال أبى سفيان حين رجع من أحد ومن الخروج قابلا إلى بدر الصغرى ، وما ينفلت أحياناً منهم من كلمات الكفر وترك الفرائض ، وقولهم ، لو كان رسولا لم تصبه هذه المكارة ، ونحو ذلك ، لا بأن يقول فلان من أهل الجنة وفلان منافق من أهل النار ، فإنما هو للأنبياء لا للعامة كما قال الله جل وعلا ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ ليُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ ﴾ أن فلانا وفلانا منافقون ويخبر الله نبيه بهذا كغيره من الغيب ، فيسره فى حذيفة رضى الله عنه كماقال ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى ﴾ يختار ﴿ مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ كما اجتبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره بهم بأعيانهم لا بوصفهم فقط ، وروى أن الكفار قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر ، وقال صلى الله عليه وسلم : « عرضتْ علىَّ أمتى وأعلمتُ من يؤمن بى ومن يكفر ، كما عرضت على آدم ذريته » ، فقال المنافقون : إنه يزعم أنه ييعرف من يؤمن ومن يكفر ، ونحن معه ولا يعرفنا ، فنزل وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء ، وقيل قالت قريش يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن ويكون فى رضى الله فى الجنة ومن يكون بعكس ذلك فليخبرنا بهم ، فنزلت ، فلت : لعلها نزلت فى ذلك كله ﴿ فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ﴾ بإخلاص وجزم ، ولا تتوقفوا إلى أن يعلم الغيب ، فإنه ليس يعلم كل غيب ، وقد أعلمه من يؤمن ومن يكفر ، وبأن تعلموا أنه لا يعرف الغيب إلا من عرفه الله إياه ، واجتباه لذلك من الأنبياء ﴿ وَإن تُؤْمِنُوا ﴾ إيماناً خالصاً ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ ما فيكم من الكفر والعقاق ، والخطاب فى المواضع الثلاثة يقوى أن الخطاب فى قوله عز وجل : ما أنتم عليه للمنافقين والمرتابين ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يعلم قدره إلا الله .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٢