سورة آل عمران · الآية ١٨٥ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ١٨٥
الرسم الإملائيّ

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

الجزء ٤الربع ٢٩ صفحة ٧٤

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 185]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ وعد ووعيد للمصدق والمكذب . ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي : تُعطون ثواب أعمالكم على كمال يوم القيامة ؛ فإن الدنيا ليست بدار جزاء . ﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ بُعد ﴿ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ ظفر بالخير ، وقيل : فقد حصل له الفوز المطلق ، المتناول لكُل ما يقارنه ، ولا غاية للفوز وراء الجناة من سخط الرب ، وعذاب النيران ، ونيل رضى الله ونعيم الجنان. ﴿ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ ( ولذاتها وشهواتها إلاَّ متاع الغرور والخداع الذي لا حقيقة له وهو المتاع الرديء الذي يدلس به على طالبه حتى يشتريه ، حتى يتبين له رداءته ؛ والشيطان هو المدلس الغرور ) . ﴿ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ شبَّه الدنيا بالمتاع الذي يُدلس به على المستام ، ويُغُّر حتى يشتريه ثم ينكشف له فساده ورداءته ، فيراه عين اليقين ، والشيطان هو المُدلس الغرور ، وعن سعيد بن جبير : << إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ >> . ، وعن الحسن : << كخضرة النبات ، ولعب النبات ، لا حاصل لها >> . وقال قتادة : << هي متاع متروكة ، ويوشك أن يضمحلَّ بأهلها >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٨

[سورة آل عمران — آية 185]

قوله : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ قال الحسن : أخبر الله نبيّه أن ما بينهم وبين أن يذوقوا العذاب الموت ، فسوف يذوقونه ، ثم يوفون أجورهم فيصير الخلق فريقين ، فريق في الجنة وفريق في السعير .

قوله : ﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ أي : فمن نُحّي ﴿ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ أي نجا وفاز بالجنة . ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ﴾ .

عزّى الله رسوله والمؤمنين عن الدنيا ، وأخبرهم أن ذلك إنما يصير باطلاً .

ذكروا أن أبا الدرداء قال : الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أدّى إليه .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها » .

اقرأوا إن شئتم قول الله : ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ﴾ . ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها » .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٨

[سورة آل عمران — آية 185]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ كل ذى روح أو كل روح ﴿ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ حتى الحور والولدان وما فى الجنة والنار من الحيوان كحياتها ، بناء على وجودهما الآن ، والملائكة ، وملك الموت ، قيل يقبض روح نفسه بإذن الله ، وقل يتقلب بين الجنة والنار فيموت وتموت الأرواح ، فانظر قوله تعالى إلا من شاء الله فلا تضق نفسك بتكذيبهم فالآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ووعد للممصدق ووعيد للمكذب ، وذكر الموت يزيل الهم والحزن قال صلى الله عليه وسلم : « أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر فى كثير إلا قلة ولا فى قليل إلا كثره » ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفُّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ يكمل لكم جزاء أعمالكم من خير أو شر ﴿ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ من قبوركم ، وبعض أجوركم فى قبوركم كالنور والطعام والشراب والروائح الداخلة على السعيد فى قبره ، فإنه روضة من رياض الجنة ، وكعذاب القبر الواقع للكافر فى قبره ، فإنه حفرة من حفر النار ، كما روى الترمذى عن أبى سعيد ، والطبرانى عن أبى هريرة ، مرفوعا : « القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار » وقيل بعض الثواب والعقاب فى الدنيا أيضا ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ ﴾ زح وأصله تكرير الزح ، أى جبذ بعجلة ، والتضعيف للمبالغة ، وهو ملحق بالرباعى الأصول ، كدحرج ، والمراد بعد ﴿ عَنِ النَّارِ ﴾ يوم القيامة ﴿ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ نال خيرا لا غاية له ولا لزمانه ، ونجا من النار ، أو فاز بكل ما يريد ، وعنه صلى الله عليه وسلم : لموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فياه ﴿ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ﴾ إلا شىء حقير يتمتع به أو إلا تمتع ﴿ الْغُرُورِ ﴾ الخداع ، مصدر ، أو بمعنى مفول أى المغرور ، أو جمع غار ، شبهت بمتاع دلس به المشترى وهو ردىء كما أضافه إلى الغرور ، ووجه الخداع أنه يتوهم بقاءه وهو فان وذاهب ، وأنه يتوهم حسنه وهو سيىء العاقبة ، دنيا وأخرى ، أو فى إحداهما ، أو تمتع الباطل ، أى هو الباطل ، إذ يفنى ، وذلك لمن لم يجعلها مطية الديناه وأخراه ، قال على ، هى لين مسها ، قاتل سمها .

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِى ثِيَابٍ صَدِيق

ظاهرها مظنة السرور ، وباطنها مطية الشرور ، وأما من جعلها لهما فنعمت المطية له ، وهى بلاغ إلى ما هو خير منها ، قال صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته ، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ، ويؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ، رواه أحمد ومسلم عن عبد اله بن عمر .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٨