إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۗ وَمَن یَكۡفُرۡ بِءَایَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ١٩
الرسم الإملائيّ
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الجزء ٣الربع ٢١ صفحة ٥٢
تفسيرها
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ أي : الاستسلام والانقياد والطاعة له من عبيده ، وعليهم ؛ ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ ﴾ أي : أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واختلافهم إنما تركوا الإسلام وهو التوحيد ؛ ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ أي : ما كان ذلك الاختلاف إلا حسدا بينهم ، وطلبا للرئاسة وحظوظ الدنيا ، واستتباع كل فريق أناسا . ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ ﴾ بحججه ودلائله ، ﴿ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ سريع المجازاة في الدنيا ، وبالنار في العقبى .
افتحه في القارئ · صفحة ٣١٢
قوله : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ ﴾ هو كقوله : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [ آل عمران : 85 ] . قال : ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ﴾ وكانوا على الإِسلام ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً ﴾ أي حسداً ﴿ بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله ﴾ من بعدما جاءته ، أي جاءهم ما عرفوا فكفروا به . ﴿ فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ يعني عذابه؛ إذا أراد أن يعذبهم لم يؤخرهم عن ذلك الوقت؛ هذا في تفسير الحسن . وقال مجاهد : يعني إحصاءه عليهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٣١٢
﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ ﴾ بيّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته والآيات المنزلة ، أنه لا يستحق العبادة سواه ، أو شهد لخلقه بذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : « يجاء بصاحب هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام ، فيقول الله : إن لعبدى هذا عندى عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدى الجنة » ، والناس يتوهمون أن آخر الآية العزيز الحكيم ، وليس كذلك بل آخرها الإسلام ، كما نص عليه هذا الحديث ، فالإسلام آخرها نظير الألباب والوهاب والميعاد والنار والعقاب والمهاد والأبصار والمآب والأسحار والحساب والعباد ، ولما نزلت خرت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستون سجاً لله ، قال حبران جاءا من الشام : ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء ، ولما دخلا عليه صلى الله عليه وسلم عرفاه ، فقالا : أنت محمد؟ فقال : نعم ، قالا : أنت أحمد؟ قال : نعم ، قالا : إن أخبرتنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله آمنا بك ، فنزلت الآية ، فأسلما . وعنه صلى الله عليه وسلم : من قرأها عند نومه فقال ، أشهد بما شهد الله ، وأستودع الله هذه الشهادة يقول الله يوم القيامة : إن لعبدى . . إلى آخر ما مر ، وقيل : نزلت فى نصارى نجران ، إذ حاجوا فى عيسى عليه السلام ، وقيل فى اليهود والنصارى إذ تركوا اسم الإسلام ، وتسعوا باليهود والنصارى ، وقالت اليهود : ديننا أفضل من دينك ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ ﴾ من العرب وأهل الكتاب كعبد الله ابن سلام ، ومن غيرهم ، لا خصوص الأنبياء أو المهاجرين والأنصار ، أو علماء مؤمنى أهل الكتاب كما قيل ، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلة ، أو إنزال الكلام فى ذلك ، وشهادة الملائكة وأولو العلم ، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أن شهادة الله بيان ، وشهادة الملائكة والعلماء إقرار ، أو شهادة العلماء احتجاج ، وقدم الملائكة ، لأن فيهم الوسائط لإفاجة العلم لذويه ، أو لأن علمهم كله ضرورى ، أما غيرهم فعلمه منه الضرورى والكسبى ﴿ قَآئِماً ﴾ حال من لفظ الجلالة أو لفظ هو ، والأول كقولك : جاء زيد راكباً : جاء زيد راكباً وعمر وبكر ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ الباء للتعدية ، أى مقيما القسط ، أى العدل فى قسمة الأرزاق والآجال ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم ، وفى تعيين الشرائع والمحرم والواجب والمندوب إليه ، والمكروه والمباح ، وآخر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولى العلم ﴿ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ تأكيد ، أو الأول شهادة ، وهذا حكم بها ، أو الأول وصف ، والثانى تعليم ، أى اشهدوا كما شهدت ، كذا قيل ، وفيه ، أنه يغنى عنه قوله : والملائكة وأولو العلم ﴿ العَزِيزُ ﴾ راجع لقوله لا إله إلا هو ، لأن العزة تلائمن الوحدانية ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ راجع لقوله ، قائماً بالقسط ، لأن الحكمة تلائم القيام بالقسط ، قالت اليهود : لا دين كاليهودية ، والنصارى : لا دين كالنصرانية ، فنزل :
﴿ إنًّ الدِّينَ ﴾ المرضى ﴿ عِندَ اللهِ ﴾ أو الكائن عند الله ، أو أن المشروع عند الله ، فعند متعلق بمحذوف كون عام نعت حذفا واجبا ، أو بنعت محذوف جوازاً كونا خاصا ، وليس ذلك خطأ من قائله ، لأنه جرى على قول لمن بنعت تقدمه ، ذكره الدمامينى ، أو متعلق بالدين بتأويله بمشروع ، والتعليق باعتبار التأويل كثير ، نحو زيد أسد فى الحرب ، وذلك كله أولى من أن يعلق بنسبة الكلام ، ألا أن الدين محكوم له عند الله بأنه الإسلام ، لأن هذا معنى وعبارة أخرى لا إعراب ، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم إن ، لأنه ليس لأن حدث مسلط عليه ، ليكون الحال قيداً له ، أو تأكيداً له ﴿ إلإِسْلاَمُ ﴾ الشرع المبعوث به الرسل المهنى على التوحيد ، فالجملة مؤكدة ، لأن الشهادة بالواحدانية والعدل والعزة والحكمة أسس الدين وقاعدة الإسلام ، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والعمل لماجاء به من فعل أو ترك ، قال على : إن المؤمن يعرف إيمانه في علمه ، وعليكم بالإسلام ، ولا ينبغى أن يختلف فيه ، ألا نرى إلى قوله : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴿ وَمَا اخَتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ فى دين الإسلام ، إذ قال قوم إنه باطل ، وقوم إنه حق ، وقوم بأنه مخصوص بالعرب ، وفى التوحيد إذ قال بعض اليهود عزيز بن بالله ، وقال النسطورية من النصارى : إن الله ثالث ثلاثة ، واليعقوبية بالاتحاد أن الله هو المسيح ، والملكاثية إذ قالوا بالأقاليم الثلاثة ، الوجود والعلم والحياة ، وسموها الأب والابن وروح القدس ، وأن أقوم العلم انتقل إلى جسد عيسى ، فجوزوا الانتقال ، فكتبت وقرئت متغايرات مستقلة ، وفى وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم ، حيث اختلفوا مع إبقاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك .
روى أن موسى عليه السلام استخلف سبعين حبراً على التوراة حين احتضر ، واستخلف عليهم يوشع ، واستاموا إلى القرن الرابع فاختلفوا فى الدين ، ووقع عليهم الكفر والقتال حرصاً على السلطنة وزخارف الدنيا ، وسلط عليهم جبابرتهم فنزلت الآية فى شأنهم ، وقيل الكتاب الجنس ، والذين اليهود والنصارى ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ التوحيد والحق المطلق وعرفوه أو مجىء العلم دخوله قلوبهم ، بفهمه بعد نزوله وتمكنه فيها ﴿ بَغْيا ﴾ خرواً عن الطاعة بالحسد وطلب الرياسة ، وهو يؤدى إلى أنكار الحق ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ واقعاً بينهم ، دائراً فاشيا ، زاد اله عز وجل تقبيحهم بأن اختلافهم بعد مجىئ الكتاب ، وأنه بعد مجىء العلم ، وبأنه بالبغى ، ولا حصر فى ذلك إلا من خارج ، وما هو إلا كقولك ، ما ضربت إلا ابنى تأديبا ، واعتبار الحصر فيه مثل اعتباره فى قوله : كما صرب إلا زيد عمراً بمعنى ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِأيَآتِ اللهِ ﴾ النازلة الناطقة بالوحدانية ، وبأن الدين عند الله الإسلام من التوراة والإنجيل والقرآن ، أو الآيات الناطقة وغيرها ﴿ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ أى يجازه بكفره وما ترتب عليه ، لأن حسابه سريع ، لا بطء فيه ، لا يحتاج بكفره وما ترتب عليه ، لأن حسابه أو يأت حسابه قريباً ، لأن الله سريع الحساب .
افتحه في القارئ · صفحة ٣١٢