سورة آل عمران
الجزء آل عمران · صفحة ٠﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ ﴾ بيّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته والآيات المنزلة ، أنه لا يستحق العبادة سواه ، أو شهد لخلقه بذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : « يجاء بصاحب هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام ، فيقول الله : إن لعبدى هذا عندى عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدى الجنة » ، والناس يتوهمون أن آخر الآية العزيز الحكيم ، وليس كذلك بل آخرها الإسلام ، كما نص عليه هذا الحديث ، فالإسلام آخرها نظير الألباب والوهاب والميعاد والنار والعقاب والمهاد والأبصار والمآب والأسحار والحساب والعباد ، ولما نزلت خرت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستون سجاً لله ، قال حبران جاءا من الشام : ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء ، ولما دخلا عليه صلى الله عليه وسلم عرفاه ، فقالا : أنت محمد؟ فقال : نعم ، قالا : أنت أحمد؟ قال : نعم ، قالا : إن أخبرتنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله آمنا بك ، فنزلت الآية ، فأسلما . وعنه صلى الله عليه وسلم : من قرأها عند نومه فقال ، أشهد بما شهد الله ، وأستودع الله هذه الشهادة يقول الله يوم القيامة : إن لعبدى . . إلى آخر ما مر ، وقيل : نزلت فى نصارى نجران ، إذ حاجوا فى عيسى عليه السلام ، وقيل فى اليهود والنصارى إذ تركوا اسم الإسلام ، وتسعوا باليهود والنصارى ، وقالت اليهود : ديننا أفضل من دينك ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ ﴾ من العرب وأهل الكتاب كعبد الله ابن سلام ، ومن غيرهم ، لا خصوص الأنبياء أو المهاجرين والأنصار ، أو علماء مؤمنى أهل الكتاب كما قيل ، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلة ، أو إنزال الكلام فى ذلك ، وشهادة الملائكة وأولو العلم ، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أن شهادة الله بيان ، وشهادة الملائكة والعلماء إقرار ، أو شهادة العلماء احتجاج ، وقدم الملائكة ، لأن فيهم الوسائط لإفاجة العلم لذويه ، أو لأن علمهم كله ضرورى ، أما غيرهم فعلمه منه الضرورى والكسبى ﴿ قَآئِماً ﴾ حال من لفظ الجلالة أو لفظ هو ، والأول كقولك : جاء زيد راكباً : جاء زيد راكباً وعمر وبكر ﴿ بِالْقِسْطِ ﴾ الباء للتعدية ، أى مقيما القسط ، أى العدل فى قسمة الأرزاق والآجال ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم ، وفى تعيين الشرائع والمحرم والواجب والمندوب إليه ، والمكروه والمباح ، وآخر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولى العلم ﴿ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ تأكيد ، أو الأول شهادة ، وهذا حكم بها ، أو الأول وصف ، والثانى تعليم ، أى اشهدوا كما شهدت ، كذا قيل ، وفيه ، أنه يغنى عنه قوله : والملائكة وأولو العلم ﴿ العَزِيزُ ﴾ راجع لقوله لا إله إلا هو ، لأن العزة تلائمن الوحدانية ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ راجع لقوله ، قائماً بالقسط ، لأن الحكمة تلائم القيام بالقسط ، قالت اليهود : لا دين كاليهودية ، والنصارى : لا دين كالنصرانية ، فنزل :
﴿ إنًّ الدِّينَ ﴾ المرضى ﴿ عِندَ اللهِ ﴾ أو الكائن عند الله ، أو أن المشروع عند الله ، فعند متعلق بمحذوف كون عام نعت حذفا واجبا ، أو بنعت محذوف جوازاً كونا خاصا ، وليس ذلك خطأ من قائله ، لأنه جرى على قول لمن بنعت تقدمه ، ذكره الدمامينى ، أو متعلق بالدين بتأويله بمشروع ، والتعليق باعتبار التأويل كثير ، نحو زيد أسد فى الحرب ، وذلك كله أولى من أن يعلق بنسبة الكلام ، ألا أن الدين محكوم له عند الله بأنه الإسلام ، لأن هذا معنى وعبارة أخرى لا إعراب ، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم إن ، لأنه ليس لأن حدث مسلط عليه ، ليكون الحال قيداً له ، أو تأكيداً له ﴿ إلإِسْلاَمُ ﴾ الشرع المبعوث به الرسل المهنى على التوحيد ، فالجملة مؤكدة ، لأن الشهادة بالواحدانية والعدل والعزة والحكمة أسس الدين وقاعدة الإسلام ، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والعمل لماجاء به من فعل أو ترك ، قال على : إن المؤمن يعرف إيمانه في علمه ، وعليكم بالإسلام ، ولا ينبغى أن يختلف فيه ، ألا نرى إلى قوله : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴿ وَمَا اخَتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ فى دين الإسلام ، إذ قال قوم إنه باطل ، وقوم إنه حق ، وقوم بأنه مخصوص بالعرب ، وفى التوحيد إذ قال بعض اليهود عزيز بن بالله ، وقال النسطورية من النصارى : إن الله ثالث ثلاثة ، واليعقوبية بالاتحاد أن الله هو المسيح ، والملكاثية إذ قالوا بالأقاليم الثلاثة ، الوجود والعلم والحياة ، وسموها الأب والابن وروح القدس ، وأن أقوم العلم انتقل إلى جسد عيسى ، فجوزوا الانتقال ، فكتبت وقرئت متغايرات مستقلة ، وفى وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم ، حيث اختلفوا مع إبقاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك .
روى أن موسى عليه السلام استخلف سبعين حبراً على التوراة حين احتضر ، واستخلف عليهم يوشع ، واستاموا إلى القرن الرابع فاختلفوا فى الدين ، ووقع عليهم الكفر والقتال حرصاً على السلطنة وزخارف الدنيا ، وسلط عليهم جبابرتهم فنزلت الآية فى شأنهم ، وقيل الكتاب الجنس ، والذين اليهود والنصارى ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ التوحيد والحق المطلق وعرفوه أو مجىء العلم دخوله قلوبهم ، بفهمه بعد نزوله وتمكنه فيها ﴿ بَغْيا ﴾ خرواً عن الطاعة بالحسد وطلب الرياسة ، وهو يؤدى إلى أنكار الحق ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ واقعاً بينهم ، دائراً فاشيا ، زاد اله عز وجل تقبيحهم بأن اختلافهم بعد مجىئ الكتاب ، وأنه بعد مجىء العلم ، وبأنه بالبغى ، ولا حصر فى ذلك إلا من خارج ، وما هو إلا كقولك ، ما ضربت إلا ابنى تأديبا ، واعتبار الحصر فيه مثل اعتباره فى قوله : كما صرب إلا زيد عمراً بمعنى ما ضرب أحد أحداً إلا زيد عمراً ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِأيَآتِ اللهِ ﴾ النازلة الناطقة بالوحدانية ، وبأن الدين عند الله الإسلام من التوراة والإنجيل والقرآن ، أو الآيات الناطقة وغيرها ﴿ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ أى يجازه بكفره وما ترتب عليه ، لأن حسابه سريع ، لا بطء فيه ، لا يحتاج بكفره وما ترتب عليه ، لأن حسابه أو يأت حسابه قريباً ، لأن الله سريع الحساب .